تركيا والخيارات الإمبريالية (2)

بقلم: رضا بودراع

يعلم القاصي والداني أن للأتراك حلما يعملون عليه ووفق جدول زمني معلن 2023..2050..2070 لكن طبيعة البيئة التاريخية والجيوسياسية لطالما حكمها مفهوم الصراع ولا مؤشر أنه سيتغير، ومن خلال التوترات التركية  مع القوى الكبرى التي وصلت عهدا غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية يمكن القول أن تركيا بحلمها الاستراتيجي تدفع نحو خيارين منتظرين.

أ‌-السيناريو الاول

1-توسيع السيادة المحدودة

أي الدفع بهذا الحلم نحو خلق منظومة وظيفية جديدة للدولة القومية التركية بثوبها الرئاسي يكون مثلا يقتدى به وبالتالي تنجح الدول الكبرى بصناعة رأس القطيع نحو حظيرة الاستبداد من جديد، طبعا لن يكون هذا خيارا للدولة التركية لكن منظومة الهيمنة تمتلك من الوسائل لخلق جملة من التهديدات الامنية والتأثيرات الجيوسياسية على طريقة “الضربة التي تأتي أمامك تفزعك أكثر من التي وقعت عليك” ومن هنا منشأ التنازلات وفلسفة القبول بالمتاح. لكنه في النهاية لن تمنح للدولة إلا السيادة المحدودة، ولن يكلف ذلك تكاليف المواجهة العسكرية

وتكون وفق هذا السيناريو حادثة اسقاط الطائرة الروسية وما تلاها من محاولة الانقلاب تدخل في هذا الصدد لكن موسكو وبرلين بعد التوتر الذي كان بينهما وبين انقرة لم يترك مجالا للشك عندهما أن تكراره لن يصب الا في شعبية الرئيس أردوغان، وخطاباته التي اصبحت ملهمة ليس في الدول الاسلامية فقط وإنما للكثير من المسلمين الروس والاوربيين عرقا وتجنسا وقد تخلط لهم الاوراق داخل بلدانهم

2-الغباء الهولندي وهدية العمر

يبدو أن الغباء الديبلوماسي الهولندي لم يتعلم الدرس فراح يقدم هدية العمر للرئيس أردوغان قبل اربعة أيام من حملته الانتخابية هي الاخطر في حياة اردوغان السياسية بل وحتى في تاريخ الدولة التركية الحديثة، لقد أعطاه المجال الأنسب الذي يبرع فيه اردوغان وهو مجال الحقوق والحريات والمفاهيم الحرية والانعتاق، لقد عبر رئيس الحزب اليميني المتطرف الهولندي خيرت فيلدرز، عن انتصاره بمنع قادة اتراك دخول هولندا، لكنه لا يعلم انه منح لاردوغان تأشيرة الدخول لكل قلوب الهولنديين من اصل تركي عربي ويهودي وغيرهم  واستنفارهم ضد خطر النازية الجديدة، كما منحه مزيدا من القدرة لإلهاب قومية الاتراك وجعلهم يلتفون حول مشروعه الرئاسي، وربما أقوى رسالة شكر قدمها له اردوغان تصريحه اليوم ” مهما فعلت هولندا فإن مواطنينا سيفسدون اللعبة في السادس عشر من إبريل/نيسان (موعد إجراء الاستفتاء الشعبي على التعديل الدستوري في تركيا)”

فيما يرى مراقبون انها ازمة عابرة على غرار الازمة مع روسيا خاصة وانها بين دول اعضاء في حلف الناتو، ولا يمكن ان يكون عسكريا فلا احد يتصور ان يقبل الناتو التشظي من الداخل فلن يكون ذلك الا لصالح كتلة الصين كوريا الشمالية  وايران، وأنا اشاركهم الراي.

3-التفكك الأوروبي ولعنة ترامب

منذ الخروج البريطاني وقدوم ترامب ومواقفه المترددة تجاه حماية أوربا وجدوى حلف الناتو، بدى الترنح والتصدع واضح في الاتحاد، وربما لجوء الدول الاستعمارية القديمة نحو نظرية خلق العدو واشعار سكان اوروبا انهم مستهدفون، تلك اللعبة القديمة المفضلة لديهم والوحيدة للدفع نحو استمرار الاتحاد، الذي لم تكفيه جرعة الاسلاموفوبيا لتوحيده، وفيما يبدو أن التصعيد مع تركيا يفي بالغرض ولو مؤقتا.

ب‌-السيناريو الثاني

ان الحلم التركي سيفضي فعلا الى خروج تركيا من عباءة الهيمنة الغربية

وفي هذا الحال لن تكون تركيا الا الهدف المقبل، وسياسة تصفير المشاكل والتخندق داخل حلقة النار لم تكن مجديةً استراتيجياً، وهناك الكثير من الأسباب والمؤشرات تجعلنا نرجِّح أن الساحة القادمة في إدارة الحرب بالوكالة ستكون تركيا، أهمها ما يلي:

1-لقد سبق محاولة الانقلاب في 15 تموز 2016 حادثة اسقاط الطائرة الروسية فهل التوتر الهولندي التركي ارهاص لمحاولة انقلاب جديدة، وايعاز بجهوزية الخطة ب؟؟

2-وجود الحلف الغربي بهذه الصورة المكثفة وبأسلحة ردعية غير تقليدية في مواجهة تنظيم الدولة -كما يزعمون -الذي يملك أسلحة تقليدية جداً وتركيبةً عسكريةً لا ترقى للجيش النظامي، ليس مبررا مقنعا البتة، كما أن الانزال الامريكي الاخير في سوريا للفصل بين القوات التركية والوحدات الكرية جعل من انقرة تشعر بالإهانة وهي ترى نفسها في عين واشنطن الحليفة بنفس منظمة تعتبرها تركيا ارهابية

3-الوجود الروسي في سوريا وبهذه الطريقة الاستعراضية وفرض نفسه كعراب للحل لا يعتبر تركيا شريكا لا يمكن الاستغناء عنه، عكس الاتراك الذين يرونه شريكا اساسيا ليس فقط لضمان الحل في سوريا لكن ايضا لكبح التغول الايراني، لكن ماذا لو تم الاستغناء عن تركيا واستبداله بالوحدات الكردية والحشد الشعبي العراقي كما لا يقول عاقل ان جيش التحرير الشيعي أنشئ للتسلية؟؟

4-لا يمكن أبداً إغفال الدور اليهودي الذي أعطي كل الضمانات من روسيا أنه سيتم نقل الثقل العسكري لحزب الله الى سوريا مقابل القبول بالوجود العسكري فيها لإيران، في حين أن تركيا لم تعط حتى ضمان لانسحاب القوات الكردية الى خلف نهر الفرات

5-انتهاء توقيت المعاهدات، مخاوف كثيرة لدى الاتراك بانتهاء معاهدة لوزان 1923، والتي ان قارناها بنتائج التقسيم للجمهوريات الجرمينية بعد معاهدة وستفاليا 1648 فيمكن ان نسميها وستفاليا الشرقية لتقسيم ممتلكات الدولة العثمانية

لكن المتفائلون يطالبون فقط بإعادة الرؤية التاريخية والتي تقول بأنه كان يمكن لـ اتاتورك أن يحصل على معاهدة أفضل بكثير خلال المفاوضات مع مجموعة الدول الأوربية -ليس بالضرورة المحافظة على كامل الدولة العثمانية ولكن على الأقل الحصول على منطقة (تراقيا اليونانية) وربما حقول النفط في الموصل.

طبعا واضح جدا أن هذا الرؤية يعتبرها النظام العالمي اعلان حرب رغم سقفها المتدني مقابل مشروع اوراسيا الروسي مثلا، والتي بدورها أيضا متوترة بسبب قرب انتهاء معاهدة مونترو التي تعطي لتركيا حق التحكم في السفن الحربية عبر مضيقي البوسفور والدردنيل.

 

6-إيران والمناورة العراقية

إيران تلعب في تركيا على نفس الوتر الذي تلعبه اسرائيل في سوريا، تنتظر لتقتات على مواقف الجميع وتستفيد من مواقعهم النهائية، لكن اللافت للانتباه تصريحات رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي استعداد دخول قواته لسوريا لتتبع عناصر داعش، سبقها مناورة له في مجلس الأمن ضد تركيا لإلجائها الخروج من الموصل، فالأمر في غاية الوضوح أن هناك أمر يحاك على الارض وهذا التوزع الجديد للقوى لا يمكن ان يكون خال من اهداف جيوعسكرية ضد تركيا على كل حال إما تحديدا لنفوذها أو تفكيكا من داخلها

وما أخشاه -حقاً -هو أن كُلاً من روسيا وإيران وبموافقة أمريكا يهدفون إلى استبدال التوتر في العراق من (إيراني -سني) إلى (شيعي -تركي) لاستنزاف تركيا وإرهاقها في معاركَ جانبية وكشف خاصرتها القبرصية، فأرجو أن يتنبه الإخوة الأتراك لذلك جيداً.

ج-الاتجاه نحو البدائل

وبناءً على ما سبق يكون لزاماً على تركيا أن تبحثَ عن خطط بديلة خارج الأطر المعهودة لتجاوز خطر غير معهود تماماً.

وفيما يلي جملةٌ من الاقتراحات السريعة، التي أعترف بقصورها لشح المعطيات الدقيقة، لكنه جهدُ المقل عسى أن تفيَ بحق النصرة لإخواننا الأتراك تجاه هذا التهديد الوجودي غير المسبوق:

1-لا بد من صناعة أوراق ضغطٍ خارج إطار الدبلوماسية.

2-لا بد من التفعيل الفوري لثقل الأمة التركية من القفقاز وآسيا الوسطى إلى الحدود الأوربية.

3-لا بد من استدعاء العمقين الاستراتيجيين للأمة التركية (الأمة العربية، والأمة الكردية) لتشكيل كتلة بشرية مليارية تكون خزانَها البشري الاستراتيجي؛ فهاتان الأمتان أقدر على التكيف والقتال من الأمة التركية التي تحتاج إلى وقت ليس لمصلحتها حتى تتكيف.

4-حلف الناتو غيرُ مأمون الجانب في الاعتماد عليه في إدارة صراعٍ دوليٍّ مقابلَ صراعٍ إقليمي خطير استراتيجياً؛ فلو انتقل الصراع للمواجهة بين روسيا وتركيا فإن أمريكا دائماً تتفادى التهديد الدولي على حساب التهديد الإقليمي، وهو ما نعرفه عن النفسية الدبلوماسية الأمريكية.

وهذا ما يستدعي تشكيل حلفين أحدهما معلنٌ وهو مع الدول، وآخر عملي غيرُ معلَن؛ ويكون مع الجبهات الشعبية من الكتل الثلاث الكبرى (الأتراك العرب وباقي المسلمين من الكرد والقفقازيين وغيرهم…).

5-التبني الكامل للثورات العربية واعتبارها الخط الدفاعي الأول لتركيا، ولا يجب أن يسبب هذا حرجاً، فنحن نرى الألمان مثلاً يتبنون البي كي كي pkk ويرونه حليفاً استراتيجياً خارج الدول، والاتحاد الأوربي يتبنى حزب الله الشيعي ولا يعتبره إرهابياً.

6-تنمية روح الجهاد في الشعب التركي، وهذا خيار استراتيجي، والآلة الحربية الإعلامية للغرب والشرق تعمل عملاً رهيباً حتى لا يعتمد عن الشعوب الإسلامية المستهدفة، ورأينا مثلاً صدام حسين كيف انتبه لذلك لكنه فعلها متأخراً.

7-تهيئة الشعب التركي للتكيف مع سيناريو الكارثة والطوارئ، وتحفيز العقول لإيجاد:

– بدائل تقليدية لمصادر الطاقة والغذاء والماء.

– بدائل للصناعات الحربية، العالية التقنية، سهلة الاستعمال، خفيفة الحمل ودقيقة الهدف.

8-تعزيز مفهوم الشعب المقاوم خير من جيش نظامي قوي، وهذا لا يحتاج لكثير تعليل فقد كان الجيش العراقي أقوى جيش عربي، لكنه لم يصمد أمام الحلف الغازي أكثر من 41 يوماً، أما الشعب فما زال يقاوم لحد الآن.

9-لا بد من ترقية عقيدة الجيش التركي من القومية إلى الهوية العثمانية العريقة، وهذا من شأنه نقل التهديد من كونه في قلب الدولة التركية إلى أطراف النفوذ الجديد دون التخلي عن الأطراف الحليفة، وإلا انعكس ذلك سلباً وبطريقة خطيرة جداً، ولنا في بعض قبائل القفقاز والعرب تجربة سيئة كردة فعل تجاه قرارات خاطئة من بعض الجنرالات العثمانيين.

10-تعزيز دور المخاتير والجمعيات الخيرية وترقيتها إلى كتل خدمية تسير الكتل الشعبية عند انشغال الدولة ومؤسساتها بالدفاع عن البلد.

الخلاصة

لا شك ان عقيدة صراع الحضارات حاضرة في اجندات الدول، لكن الدخول في حرب عالمية الان لن يكون إلا تحطيم لكل الحضارات وبدون استثناء، فمؤقتا تركيا في منأى عن الحرب الشاملة إلى حين.