اللعبة الكبرى

بقلم: رضا بودراع

1ـ خلفية تاريخية

بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى تم انعقاد (مؤتمر السلام) بباريس(1919-1920) لكن اسمه لم يكن له علاقة بالسلام اطلاقا نتيجة الاتفاقيات السرية بين الدول القومية الإمبراطورية لتقاسم العالم. ففي (اتفاقية سيفر- 1920)،جرى تقسيم العالم وتحويله إلى عالم تقوم وحدته الأساسية على الدولة  القومية الحديثة بأنماطها الاربع:

1ـ وفق نظام(الانتداب) نصف الاستعماري الذي يجب أن ينتهي بقيام دول قومية مستقلة تغدو عضوا في” العصبة”

2ـ أو وفق نظام الحماية

3ـ أو الاستقلال التام

4ـ أو الوعد بالاستقلال (الأكراد وأرمينيا العثمانية في  اتفاقية سيفر)، لكن قوضها رئيس الولايات الامريكية عشية انعقاد المؤتمر ورفض الاتراك الوعد بالاستقلال للأكراد والارمن، حتى صار الملأ الى إلى اتفاقية (لوزان- 1923).تحت وقع حروب دامية تم خلالها انهاء الدولة العثمانية  قانونياً، ووضعت الحدود الإقليمية للدول الجديدة، وشكلت نوعاً من اتفاقية “وستفاليا” الشرقية.

ومثّلت عملية اكتساب عضوية ” العصبة” معيار الاستقلال، كما شكلت” العصبة” جهازاً تحكيميا فعالاً لمحاولة فض النزاعات حول حدود الدول الجديدة؛ لكن النظام الدولي(الوستفالي) المتطور هنا إلى نظام (العصبة) قد غدا محكوماً ليس بأخلاقيةٍ دوليةٍ جديدةٍ سوى على مستوى الشكل؛ بل بما أطلق عليه ويلسون نفسه إبان (مؤتمر السلام) بـ” اللعبة الكبرى” بين الدول القومية الإمبراطورية، وليست هذه اللعبة سوى تسويات (ميزان القوى) السرية خارج مبادئ العصبة الجديدة التي جرى التطلع لأن تكون دليلا انبثاق نظام دولي جديد. لكن هذه المرة تحت عصبة متطورة اسمها الامم المتحدة.

2ـ قواعد اللعبة

لم تقم الامم المتحدة سوى انها حددت الدول التي تقوم على مبدأ القوة و” درجات مسئولية الحماية” وفق الانماط التالية   ثم شرعنة ذلك لا غير:

1ـ دول ذات السيادة الكاملة -القوى الكبرى المهيمنة صاحبة الغنائم-

2ـ دول تحت الاحتلال-مكلفة-

3ـ دول تحت الانتداب نصف استعماري-نصف مكلفة-

4ـ دول الرعاية والحماية –اقل كلفة-

5ـ الوصاية –مجدية ومنتجة-وهي الاخطر لأنها متخفية بين ثنايا المؤسسات السيادية للدولة.

واي شعب اراد التحرر الفعلي والاستقلال الحقيقي دحرجوه بين هذه الانماط وألجأوه بالوسائل المعتمدة والمقننة وفق مبدأ “مسؤولية الحماية” الذي تضمنه ميثاق الامم المتحدة ليختار منها قهرا بعد ضريبة باهظة.

3ـ قناعات عدوة

ان القناعات الراسخة لدى الدول ومؤسساتها والشعوب ونخبها اليوم ناتج عن العمل الممنهج والمتراكم طيلة القرون الثلاث الماضية وخاصة بعد نصف القرن الأخير والذي كانت نتائج الحرب العالمية الثانية أهم محددات تلكم القناعات. التي شكلت هوية الفرد داخل هذه الانماط

ولعل أبرز المفاهيم شيوعا تلكم الاصول المحددة للديمقراطية التي بشر بها العالم الغربي متأثرا بعد تأصيل مضلل ومتراكم، بحق السيطرة والهيمنة على باقي العالم وبالشرعية التي افتكها من باقي “الرعايا” من الدول المستضعفة، والتي وثقت به عن قهر وفوضته بحق استعمال القوة لتحقيق الامن العالمي؟؟

نعم بهذه السذاجة تمت الامور فمن السهل ان يقنع المهزوم نفسه بأي وهم للكرامة المهدورة او الانتفاع بالحقوق الدنيا تمريرا لغصة فقدان السيادة والحرية معتمدا على ذات القناعات التي عمل العالم الغربي ترسيخها والذي بدوره اعتمد على ذات السذاجة “الطوعية” في تبنيها، ويمكن تشبيهها بمصالحة المهزومين، بعقد مفاده ان تكون دولتك للمنتصر له تابعة، وشعبك له سوقا، وأمنه عليك فرضا والرضوخ له عليك دينا، مقابل العفو والحماية. فإن أردت الانعتاق من بند من بنودها فستواجه “حربا عادلة” ضد “دولة مارقة” أو “شعبا متمردا” يستحق العقاب. لتجنيه على تلكم الشرعية المنبثقة عن تلكم المصالحة المشؤومة.

هذا باختصار خلاصة البنية الفكرية للنظام الدولي. والتي سماها ويلسون الرئيس الامريكي الاسبق باللعبة الكبرى.