الترف والتكاثر

taraf

من سلسلة خطوات نحو الإصلاح (8)

بقلم: د. خضر الياس جلو

خاص بمؤسسة أبعاد البحثية

معروف المنقولة المتداولة على ألسنة الناس في كل زمان ومكان من (أن الترف يزيل النعم) بل إنه – إذا أردنا الحق – يزيل الملك والحضارة معا بسبب الدور المدمر الذي يمارسه في أكثر من اتجاه. ولقد أولى القرآن الكريم والرسول الأمين صلى الله عليه وسلم اهتماماً ملحوظاً بهذا العامل وأشارا إليه، وحذرا منه في مناسبات عديدة وصيغ شتى، والأمر الذي يؤكد على ثلاثية (الدولة والأمة والحضارة).

إن الترف ممارسة مدمرة سواء للجماعة كلها التي تسكت عليه، أو للمترفين أنفسهم الذين يعمي الثراء الفاحش بصائرهم ويطمس أرواحهم، ويمحو كل إحساس أخلاقي أصيل في نفوسهم. وقد شاءت رحمة الله ألا يأخذ الإنسان بالآيات الكونية المبثوثة في صفحات الوجود، وألا يأخذه بعهد الفطرة الذي أخذه على بني آدم في ظهور آبائهم، إنما يرسل إليهم الرسل منذرين ومذكرين: ((وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)) الإسراء:15 وهي رحمة من الله أن يعذر إلى العباد قبل أن يأخذهم بالعذاب.

وتتوالى الآيات القرآنية بالحديث عن الترف ومنها قوله تعالى: ((وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ)) الإسراء:33-34 وقوله تعالى: ((فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)) هود:116-117

والترف في المجتمعات الإسلامية ظاهرة سلبية لها ما بعدها، إن بحبحة الأمويين في الإنفاقات المالية أدت إلى ظهور الترف ثم تعمق وتجذر في الأمة حتى أصبح ترفاً مدمراً، ظهرت معالمه وآثاره في سقوط بلاد الشام في الصليبيين ثم سقوط بغداد في يد المغول وزوال الدولة العباسية، لذلك يكره الإسلام الترف ويحذر منه أشد التحذير: ((وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)) (الإسراء، الآية: 16).

إنه كالحمض الأكال الذي ينخر في جسم المادة فيذهب بصلابتها، فتصبح هشة سهلة القصف، أو تصبح لينة لا قوام لها في الصدام، وقد كانت وفرة المال في أيدي الناس هي الباب المؤدي إلى الترف بطبيعة الحال, ولكن هذا يفسر ولا يبرر، فإنه لا يوجد تبرير لمعصية الله، وقد جاء المال بوفرة نسبية على أيام عمر رضي الله عنه ولكنه تصرف بشأنه بمنع الفساد، فمنع الصحابة رضوان الله عليهم، من الخروج من المدينة، للضياع والتجارة ـ حتى لا تتكون منهم طبقة تملك المال في أيديها وتملك السلطان ((الأدبي)) على الناس، فيحدث التميز وتفسد الأحوال، فضلاً عن احتمال إصابتهم هم أنفسهم بالترف وهم هيئة المشورة إلى جانب الخليفة، فتفسد مشورتهم حين تترهل نفوسهم ـ

وقبل ذلك، أخذ عمر رضي الله عنه نفسه وأهل بيته بالشدة الحازمة، حتى لا يكونوا قدوة سيئة أمام الناس، فيفسد الناس، أما حين يترك المال بدون تصرف معين من ولي الأمر، يسمح بالنفع ويمنع الضرر، فإنه لابد أن يؤدي إلى نتائجه المحتومة حسب السنة الإلهية، لا لأن المال في ذاته هكذا يضع، ولكن لأن الجهد البشري المطلوب لإصلاح الآفة لم يبذل فتنفرد الآفة وحدها بالسلطان، وآفة المال الترف، وعلاجها في يد ولي الأمر… بنشر روح الجد في المجتمع وبإعطاء القدوة من نفسه لبقية الناس.

ولقد وقف ابن خلدون في مقدمته طويلاً عند معضلة الترف، ولا نشك في أنه تأثر بمعطيات القرآن عنها، فضلاً عن دراساته ومشاهداته للدول التي قرأ عنها أو عاصرها. وقد اعتبر الترف حتمية ترتبط بعملية التحضر، بانتقال الجماعات البشرية من الفقر والبداوة والتنقل في الصحراء، إلى الغنى والتحضر والاستقرار في الأمصار، وعالج المسألة من جانبين:

  1. الأخلاقي وما يؤول إليه الترف من تفكك الأخلاق وركود في الهمة ينعكسان بالضرورة على مسيرة الحضارة ويأذن بتوقف تدفقها الإبداعي، وبالتالي بانحلالها ودمارها.
  2. الاقتصادي وما يعنيه طغيان الترف في مجتمع ما من اختلال في التوازن بين الإنتاج والاستهلاك ومن تضخم للنزعة الاستهلاكية على حساب التنمية والعطاء، الأمر الذي ينعكس هو الآخر سلباً على التطور الحضاري العام.

وما أكثر الدويلات الإسلامية التي كان الترف يكمن وراء تدهورها وسقوطها، وما أشد الحاجة لتفحص هذا الجانب المهم من تاريخنا في ضوء المعطيات القرآنية والنبوية وتحليلات ابن خلدون من أجل أن نضع أيدينا على الدور الذي مارسه ذلك التناقض الحاد بين فئات حاكمة تملك كل شيء تقريباً وبين أكثرية محكومة لا تكاد تملك شيئاً.

وبمجرد مقارنة أولية بين ما شهدته عصور الالتزام الإسلامي، سواء في زمن الرسالة والراشدين، أم في مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي كعهد عمر بن عبد العزيز (99-101هــ/717-719م) ونور الدين محمود زنكي (541-569هــ / 1146-1173م) وعدد من خلفاء الأمة وسلاطينها وأمرائها، وما شهدته عصور التسيب من إغراءات الاقتناء والتطاول في البنيان والبذخ في المأكل والملبس، والمبالغة التي تصل حد الأساطير في حفلات الزواج والمناسبات الاجتماعية المختلفة، وإنفاق المال العام بغير حساب على الشعراء والمرتزقة والمتملقين ومهرجي الملوك ووعاظ السلاطين…الخ. وبمجرد مقارنة سريعة بين الحالتين يتبين للمرء حجم الدور الذي لعبه الترف بأوجهه كافة في إلحاق الأذى والدمار ببنيان الأمة وعرقلة نموها الحضاري. ولبيان تلك الأمثلة عن الترف يتطلب مجلدات لسرد وقائعها وليس ضمن بحث مختصر.

آثار الترف

  وللترف آثار كثيرة متنوعة ولعل أهمها وأعظمها تأثيراً أبعدنا الله وإياكم عنها ما يلي:

أولا: الغفلة عن درجات الآخرة العالية:

وهذا مرض عظيم وذلك أن المرء لا يعود يرى إلا لذائذه وشهواته، ويتقلب في الترف ظهراً لبطن، والدرجات العالية لا تنال إلا باجتهادات ورياضات للنفس طويلة، نحو صيام وقيام، ودعوة وحركة، وسد للثغرات الكثيرة في جسد الأمة المنهك، وما ينبني من جراء ذلك من عمل طويل وإتعاب للجسد وإشغال للعقل والقلب، وكل هذه الأعمال لا يمكن أن يأتيها المترف فتفوته المنزلة العالية، ولات ساعة مندم.

ثانيا: الترف يؤدي إلى الفتنة:

     الحذر من الفتنة يقتضي الابتعاد عن الترف لأنه يضعف الإرادة الإنسانية ويجعلها شديدة الحرص على التقليد واستمرار ما هي فيه فلا تتطلع إلى آفاق جديدة لإصلاح المجتمعات التي تعيش بين ظهرانيها، كما أن الترف مدعاة للانزلاق في هاوية المنكرات وإلى الفخر والعجب والتكاثر ورفض الحق، قال تعالى: ((وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ)) الزخرف:34

لقد بلغ الصراع على المال أشدّه في هذا العصر، وصرف كثيرا من الناس عن ربهم وعن الأخذ بالقيم الأخلاقية النبيلة، وأدى إلى إثارة أغلب المشاكل التي يعانيها العالم اليوم وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض، ولهذا توجهت تعاليم القرآن إلى التخفيف من شرور المال وتحذير الناس من الانقياد الكلي له كي لا يفتنهم عن دينهم ويلهيهم عن ذكر الله. قال سبحانه في وصف المؤمنين: ((رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ)). النور:37 وعلى العكس من ذلك فقد أرشدهم إلى كيفية التصرف الصحيح في تلك الأموال بقوله: ((وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ)). القصص:77

ثالثا: التعلق بمباهج الحياة ونسيان الهدف منها:

وذلك أن المرء إن تقلب في المباهج وذاقها تعلق بها أيما تعلق، وملكت عليه حياته، وصار لا يستطيع التخلص منها بل لا يريد ذلك، وأصبحت مهمته متعلقة بالاستزادة من تلك المباهج, والاجتماع على تلك المسرات، حتى يعد في عداد المترفين، وينظم في سلكهم ويقتفي أثرهم، لذلك حذرنا الله تعالى من هذه الحياة أشد تحذير، (7) فقال الله تعالى: ((اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)) الحديد:20

وقال في آية أخرى: ((إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) يونس:24

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم محذراً أصحابه والأمة كلها من بعده: ((فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ)).

 

رابعا: التباطؤ في قضاء الأمور:

      الترف والانغماس فيه واعتياده والميل إليه جالب للتباطؤ في قضاء الأمور، والقعود عن إتمامها على وجهها الذي ينبغي لها، إذ المترف غالباً ما يميل إلى التسويف في الشؤون التي يراها صعبة أو ستجر عليه شيئاً من التعب والمعاناة، ويخشى من ملابستها والتعرض لها، فتراه يقضي الأمر الذي يتم في يوم في شهر، ويستغرق الأمر اليسير من حياته زمناً طويلاً، هذا إن فرغ منه أصلاً، وهكذا تراه دوماً وأبداً يتخبط في شؤونه ويسوف في قضائها، فتنقضي حياته وهو لم يقدم شيئاً ذا بال، ولم يرتق في سلم المجد الدرجات التي كان ينتظر من مثله أن يرتقيها.

والناظر في الكتاب والسنة وهمل السلف الصالح يجد الأمر على خلاف هذا، فالله تعالى قال: ((خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) البقرة:63 وقال ليحيى عليه الصلاة والسلام: ((يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ)) مريم:12 بالقوّة: أن يعمل ما أمره الله به، ويجانب فيه ما نهاه الله عنه.

وهذا النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم يقول: ((بادروا بالأعمال سبعا ما تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا أو مرضا مفسدا أو هرما مفندا أو موتا مجهزا أو المسيح فشر منتظر وفي رواية ابن عبدان: أو الدجال فإنه شر منتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر)). وقال صلى الله عليه وسلم: ((اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك)).

ولله در عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث يقول: (القوة في العمل ألا تؤخر عمل اليوم لغد والأمانة ألا تخالف سريرة علانية واتقوا الله عز و جل فإنما التقوى بالتوقي ومن يتق الله يقه), فكيف لو رأى زماننا، ورأى تأخير عمل اليوم إلى سنة أو أكثر، وليس ذلك فحسب لو رأى الاستهانة بمصير الأمة التي بيعت مقابل العيش بترف من قبل فئة من أشباه الرجال.

خامسا: الدعة والكسل:  

    إن من أعظم ما يجره الترف على صاحبه هو أن يعوده على الدعة والكسل والإخلاد إلى الأرض، وهذا مرض عضال وداء خطير، يقعد صاحبه عن طلب المعالي، ويصعب عليه أموره كلها، ويجعله أقرب إلى المقعد منه إلى الإنسان النشيط العامل، ولقد كان سلفنا رضي الله عنهم على غاية من النشاط والحيوية، وذلك لبعدهم عن الترف ومقدماته ومسبباته.

فهذا جابر بن عبد الله يقول بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتريت بعيرا ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرا حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس فقلت للبواب قل له: جابر على الباب فقال: بن عبد الله قلت: نعم فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثا بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يحشر الناس يوم القيامة أو قال العباد عراة غرلا بهما))، قال: قلنا وما بهما قال: ((ليس معهم شيء ثم يناديهم بصوت يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه حتى اللطمة)), قال قلنا: كيف هو؟ إنما نأتي الله عز وجل عراة غرلا بهما؟ قال: ((بالحسنات والسيئات)).

ينبغي أن ننظر ونعتبر كيف سار جبر بن عبد الله رضي عنه شهراً ليأخذ حديثاً واحداً فقط، وقارنوا حاله بما نحن عليه اليوم. ومثل تلك الأمثلة كثيرة لا يسع الجمال ذكرها، تبين مدى عظم همم أولئك الأطهار وما أبعدهم عن الترف والكسل والدعة.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الكسل، فعن أنس بن مالك انه قال: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما كان يدعو بهؤلاء الدعوات، اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضلع الدين وغلبة الرجال)).

سادسا: ضعف الجسد وخور العزيمة:

وهذه قضية خطيرة إذ لا يعود المترف يتحمل المشاق، ولا يصبر على الألم، ويصبح أشبه بالنساء منه بالرجال، فقطرات النسيم تجرح خديه، ولمس الحرير يدمي بنانه، ” والمترف مرض بالنعمة، لا يستطيع أن يقابل الحياة بما هي عليه من شدة ورخاء، وسعة وقسوة، ومنافع وشرور، وظل وحرور، والمال وحده لا يدفع ضرراً ولا يجلب سعادة، والحياة صبر، ولم يتعوده المترف والحياة تغلب على المصاعب والمترف لا يعرفها، فأقل شيء يصيبه يعتبره صدمة، ورجل الحياة لابد أن يلامس الحياة كما هي في جميع أوضاعها، وبجميع تقلباتها “.

“والتتار عندما جاؤوا منحدرين من أعلى الصين كالصخرة، لا تلوي على شيء إلا أخذته، كانوا خشنين، جفاة غلاظاً، والمسلمون في ذلك الوقت كانوا يعيشون بين الجواري، بل كانوا قد تناولوا المحرمات، واستباحوا الخمور، فانساب التتار في أرض المسلمين… إنهم ما كانوا في فتحهم إلا على مقدار يسرهم، لأن المسلمين كانوا قد أصابهم الترف، حتى إذا أحس المسلمون بالويلات واخشوشنوا، وباعدوا الترف، وكان التتار قد ذاقوا الترف، عندئذ التفت بهم جيوش الشام ومصر فأعملت السيوف في أقفيتهم”.

سابعا: تعاطي بعض المعاصي والإصرار عليها:

إن من آثار الترف الواضحة تعاطي بعض المعاصي والإصرار عليها، وربما جرت متعاطيها إلى شيء من الكبائر والعياذ بالله تعالى، وذلك لأن المترف غالباً كثير السفر والانتقال، وقد يجره هذا إلى ما لا يحمد عقباه، ومن أوضح الأمثلة على ما ذكرته من تعاطي بعض الصغائر والإصرار عليها هو تكرار النظر المحرم والتلذذ به، وطلبه والاسترواح إليه، وهذا الأمر إن تمكن من شخص ما فهو على خطر كبير.

ثامنا: حب الدنيا وكراهية الموت:

لقد حرص المسلمون الأوائل رضي الله عنهم أنهم يحرصون على الموت في سبيل الله تعالى وحرص أعدائهم على الحياة، فكان هذا الحرص دافعاً لهم إلى تسطير أعظم صفحات التاريخ نصاعة وعظمة وجلالاً، وصار لهم هيبة في قلوب أعدائهم مكنتهم بها من رقابهم، ودفعت عنهم شرور المفاسد طويلاً، فلما أخلد كثير من المسلمين إلى الأرض وارتضوا الحياة الدنيا وأحبوها غلب عليهم كراهية الموت وكراهية ترك ما هم فيه من متع وترف، وهذا هم ما نشاهده اليوم عند أكثر المسلمين.

ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قد حدث بحديث بين فيه ما آل إليه حالنا من التعلق بالدنيا وكراهية الموت، فقال: ((يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الآكلة على قصعتها)) قلنا: يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: ((أنتم يومئذ كثير ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن)) قلنا: وما الوهن؟ قال: ((حب الحياة وكراهية الموت)).

تاسعا: هلاك الأمم:

تمضي سنة الله في إهلاك القرى وأخذ أهلها في الدنيا، مرتبطة بذلك الناموس الكوني الذي يصرف الليل والنهار: ((وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)) الإسراء:16، والمترفون في كل أمة هم طبقة الكبراء الناعمين الذين يجدون المال ويجدون الخدم ويجدون الراحة، فينعمون بالدعة وبالراحة وبالسيادة، حتى تترهل نفوسهم وتأسن، وترتع في الفسق والمجانة، وتستهتر بالقيم والمقدسات والكرامات، وتلغ في الأعراض والحرمات، وهم إذا لم يجدوا من يضرب على أيديهم عاثوا في الأرض فسادا، ونشروا الفاحشة في الأمة وأشاعوها، وارخصوا القيم العليا التي لا تعيش الشعوب إلا بها ولها. ومن ثم تتحلل الأمة وتسترخي، وتفقد حيويتها وعناصر قوتها وأسباب بقائها، فتهلك وتطوى صفحتها.

والآية تقرر سنة الله هذه، فإذا قدر الله لقرية أنها هالكة لأنها أخذت بأسباب الهلاك، فكثر فيها المترفون، فلم تدافعهم ولم تضرب على أيديهم، سلط الله هؤلاء المترفين ففسقوا فيها، فعم فيها الفسق، فتحللت وترهلت، فحقت عليها سنة الله، وأصابها الدمار والهلاك. وهي المسئولة عما يحل بها لأنها لم تضرب على أيدي المترفين، ولم تصلح من نظامها الذي يسمح بوجود المترفين. فوجود المترفين ذاته هو السبب الذي من أجله سلطهم الله عليها ففسقوا، ولو أخذت عليهم الطريق فلم تسمح لهم بالظهور فيها ما استحقت الهلاك، وما سلط الله عليها من يفسق فيها ويفسد فيقودها إلى الهلاك.

إن إرادة الله قد جعلت للحياة البشرية نواميس لا تتخلف، وسننا لا تتبدل، وحين توجد الأسباب تتبعها النتائج فتنفذ إرادة الله وتحق كلمته. والله لا يأمر بالفسق، لأن الله لا يأمر بالفحشاء. لكن وجود المترفين في ذاته، دليل على أن الأمة قد تخلخل بناؤها، وسارت في طريق الانحلال، وأن قدر الله سيصيبها جزاء وفاقا، وهي التي تعرضت لسنة الله بسماحها للمترفين بالوجود والحياة.