مشاريع تشكيل مرجعية دينية سنية

1439483761

الحلقة الثامنة من (قراءة في المشاريع السياسية السنية)

بقلم: انس المندلاوي

خاص بمؤسسة أبعاد البحثية

امتازت مرحلة ما بعد الاحتلال بظهور دور ضروري لمساجد أهل السنة وخطبائها في مجال لا نقول إنه كان طارئًا عليهم أو خارج نطاق عملهم، وإنما كانوا مغيبين عنه ولعقود طويلة؛ ألا وهو الجانب السياسي المؤطر بإطار شرعي، وكان ذلك بسبب سيطرة الحكومة السابقة على الحياة السياسية والهيمنة على التعليم الديني السني حصرا، فيما كانت للشيعة مرجعيتها ومدارسها خارج سيطرة الدولة، مع انها كانت تقف بالضد من الحكومة، وهو ما تفعله حكومات ما بعد الاحتلال، بالاتجاهين بمحاصرة مشايخ أهل السنة وفسح المجال للشيعة ومراجعهم.

وأمام هذا التاريخ من الابتعاد عن العمل السياسي خرج إطار الحكومة، وفصل تام بين السياسة والدين والذي عاشه أهل السنة حصرا؛ فوجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها بلا حكومة ولا قانون، ولا سلطة، بل قوة احتلال غاشمة، حلت كل المؤسسات وبشكل خاص كل ما له علاقة بالأمن والأمان، وهنا برز دَور دور العبادة عندما التجأ الناس إليها ووضعوا كل أمالهم وأحلامهم بين أيدي رجالها، وهو حال كل الأديان والطوائف، ولكن ما يخص أئمة وخطباء أهل السنة العرب فأن حالهم لم يكن بأفضل حالاته، حيث لم يكن هناك ما يجمعهم من مرجعية دينية أو سياسية، إلا كونهم موظفين في دائرة واحدة وهي الأوقاف، والمفترض بهم أن يكونوا الأقرب إلى الله، وهذا ما يبحث الناس عنه وقت المحن، فكان منهم من هو بقدر المسؤولية الملقاة على عاتقه، وإن لم تكن له تجارب سوى الخطب والكلام الرنان، ومنهم من لم تزده تلك الخطب إلا حيرة وتيهًا فتاه بمن حوله، بتبني آراء واجتهادات ما أنزل الله بها من سلطان، وهؤلاء ينقسمون ثلاثة أقسام:

أحدها: من رفض العمل السياسي وأي دور له بالحياة العامة في ظل الاحتلال، بل وجدنا منهم من أفتى بشرعية الاحتلال، واعتبره ولي أمر المسلمين، بحجة ولاية الاستيلاء التي يجيزها بعض علماء أهل السنة، ناسيًا هذا البعض أو متناسيًا أن ذلك عندما يكون المستولي من المسلمين، وقد أصبح له الأمر بالقوة، وأن بعض العلماء في تلك الحقبة اعتبر الرضوخ لحكمه على شرط أن يكون مستجمعًا لصفات الأئمة، بما فيها شرط النسب القرشي، وكانت فتوى هذا البعض سياسية وقد حاول الهروب من السياسية فوقع في محرمها.

ثانيها: من أفتى بجواز العمل السياسي، ومشاركة الاحتلال خططه، وإن وضع رأسه تحت قدمي الاحتلال.

وثالثها: اتجاه لم يكن له من الأمر شيء، وإن نجوا من النفاق، واكتفوا أن يكونوا موظفين حالهم حال باقي موظفي الحكومة، وهؤلاء حالهم لا يسر، عندما ارتضوا أن يكونوا مع الخوالف، وظلوا هم كما هو القسم الثاني ضمن نطاق الشك والريبة، من قبل الاحتلال وأعوانه، حالهم حال الآخرين ممن عارضوه لأنهم لم يكونوا معه، وجميعاً قد نالهم الاعتقال والقتل والتهجير.

 

وأمام الفراغ للسلطة السياسي والديني الذي لم يستطع ان يسد من أي جهة سياسية، حاولت بعض الشخصيات والجهات أن تملأه، وان تستقطب أهل السنة، وإبراز مشروعهم وما يتعرضون له من ظلم، ويكون هذا المشروع هو القائد والموحد للتناقضات والاختلافات التي خلفها من شارك بالعملية السياسية، إلا ان أكثر تلك المشاريع بقت محبوسة في أوراق من أطلقها، أو تناثرت كلماتها تائهة بالهواء من على شاشات الفضائيات، وكانت في بعضها إذا لم تتسم بالتناقض، فإنها وبكل تأكيد ليست بذلك الوضوح، ولم تكن تحمل فكرًا سياسيًّا منضبطًا، وربما هي لم تتعدى ان تكون جزء من المشاريع السياسية لمن هو في السلطة أصلا، ولا ننكر أن التركة ثقيلة جدًا، إلا انه ومع ذلك ظهرت بعض القوى التي أرادات ان تكون مرجعية دينية وسياسية لأهل السنة، ونقدم في هذه الحلقة قراءة لأهم تجمعين برزا على الساحة وهما:

 

هيئة علماء المسلمين

من أكثر المشاريع التي كان من الممكن ان تنجح وان تستثمر فشل باقي المشاريع هو المشروع السياسي المعارض للاحتلال ورفض التعامل معه منطلقين من كون العملية السياسية باطلة برمتها؛ لان ما بني على باطل فهو باطل، ومن القوى السياسية البارزة في هذا الاتجاه هو هيئة علماء المسلمين، ومع كونها هيئة دينية من خلال اسمها وبياناتها، إلا انها مارست العمل السياسي المعارض للعملية السياسية وبرمتها.

وكانت في لبنتها الأولى تضم جميع تيارات أهل السنة، وجميع من ذكرنا من المسميات والتفاصيل وغيرها في الحلقات السابقة، والذين اجتمعوا بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وقد أسس الهيئة عدد من المشايخ والعلماء، أبرزهم: (الشيخ حارث الضاري، الدكتور أحمد حسن الطه، الدكتور محسن عبد الحميد، والدكتور عبد الستار عبد الجبار، وغيرهم من المشايخ). وقد اُنتخب (محمد أحمد الراشد) رئيساً للهيئة بادئ الأمر، ليتنازل فيما بعد للدكتور (حارث الضاري) الذي بقي على رأس الهيئة حتى وفاته في العام 2015، ليخلفه ولده (مثنى حارث الضاري).

وقد عرَّفها القائمون عليها بأنها: “الكيان الذي يضم مجموعة من العلماء المتخصصين بالشريعة، يحملون مجموعة من المفاهيم والمقاييس والقناعات الإسلامية، يعاونهم في ذلك المسلمون من أهل الاختصاص في العلوم الأخرى، ويؤازرهم عامة المسلمين في النشاط العلمي”. إذا هي ليست حزبا تقليديا بل مؤسسة دينية تعاطت مع الشأن السياسي، وعرفت بأنها من القوى المناوئة للوجود الأجنبي، وقاطعت العملية السياسية وجميع الانتخابات، وبقية هي الصوت الرافض للاحتلال حتى بعد خروج البعض منها، وبانحسار بقية الأصوات انحسر نشاطها، ويعود ذلك لأسباب عدة منها: –

  • يرجع البعض تلك الانسحابات على رموز الهيئة لتفردهم في اتخاذ القرار، وعدم العمل بمبدأ الشورى المتفق عليه في ميثاق التأسيس، مما اضطر عدداً من المشايخ إلى ترك الهيئة، وان كنا نرى ذلك إلا ان البعض منهم اتخذ من ذلك حجة لاسيما بعد استهدافها من قبل قوات الاحتلال والحكومات المتعاقبة.
  • بسبب تلك المضايقات انتهي المطاف بقادتها خارج العراق، فكان سبب ابتعاد قادتها عن الشارع سبب في ابتعاد الناس عنها لأنهم يرون في ذلك هروب من المسؤولية، بانشغالهم بعقد الندوات والمؤتمرات في افخر الفنادق.
  • استحواذ رئيس ديوان الوقف السني السابق (احمد عبد الغفور السامرائي) على المقر الرئيسي لها في جامع أم القرى وملحقاته، ليتخذه مقرًا له ومسكنًا ومسبحا وقصرًا للضيافة، مع تخاذله عن استرجاع المساجد المغتصبة من قبل المليشيات الحكومية، وإحجامه عن دعم المتطوعين لحماية المساجد وأئمتها وروادها من تلك الهجمات، ماديًا أو بمنحهم الصفة الرسمية أمام قوات الاحتلال والحكومة، وبهذه التصرفات انحسر دور الوقف السني مع ما يملكه من أموال ومكانة، وكانت بخطوة الاستحواذ على مقرها قد فقدت الاتصال المباشر بجماهيرها، الذي كان حلقة الوصل بين الجماهير في الداخل والقادة في الخارج.
  • ولأنها لا تمتلك فروعا عاملة في الميدان تعمل بحرية على غرار باقي المؤسسات والأحزاب، لان كل من كان ينتمي لها أو يدعمها كان معرضا للاعتقال أو القتل، فقد أثر ذلك على استمرار نشاطها داخل العراق.
  • فضلًا عن كل ذلك هو انحياز الهيئة إلى فصيل مسلح بعينه دون الاخرين، مما جعل الآخرين يبتعدون عنها شيئًا فشيئًا، فأصبح دورها منحصرًا بما تبثه قناة الرافدين من بيانات وتصريحات.

 

المجمع الفقهي العراقي

أخيرًا وبعد صراع بين القوى السياسية ورجال الدين من مشايخ وأهل العلم على تمثيلهم لأهل السنة ظهر المجمع الفقهي العراقي من بين هذه الخلافات وان لم يحتويها أو يحسمها، فتجمع العشرات من الأئمة والخطباء، ومن مختلف التوجهات، أمثال الشيخ (أحمد حسن الطه) الذي أصبح رئيس المجمع الفقهي ونائبه الشيخ (عبد الستار عبد الجبار)، وأساتذة العلم الشرعي في الجامعة العراقية وجامعة الأمام الأعظم أبو حنيفة، فضلا عن انه يمثل اغلب المدارس الفقهية السنية في العراق كالصوفية والسلفية والاخوان المسلمين (الحزب الاسلامي)، ليؤسسوا المجمع الفقهي العراقي، وتتلخص رؤية المجمع في تحقيق مرجعية شرعية لأهل السنة والجماعة.

ومثّل عند ظهوره بارقة أمل جديد لأهل السنة، في ظل ظروف ساعدته على ذلك منها وبشكل خاص الصراع الخفي والمعلن بينه وبين الوقف السني المرفوض من عموم أهل السنة، بسبب خضوعه لضغوطات رئيس الوزراء (نوري المالكي)، ومن ذلك تبنى الوقف مواقف متخاذلة في ظل الصراع على الهيمنة والاستحواذ على نيل المرجعية السنية من قبل الحكومة، لا من عامة أهل السنة، فكان ان وقف بالضد من قرار غلق الجوامع والمساجد كوسيلة ضغط على (المالكي)، والتي صدرت من المجمع الفقهي العراقي أثناء الاعتصامات، والذي شعر أهل السنة بضرورته، وشعرت الحكومة بخطورته ليجهض هذه الخطوة في ساعاتها الأولى من قبل الوقف برفضه، بمحاولة منه بجعل موقف المجمع الفقهي يهتز أمام الشارع الذي كان داعم وبصورة مباشرة لساحات الاعتصام، وهذا هو السبب الثاني والمهم وهو ظهوره وبروزه، وفي ذات السياق العلاقات الطيبة مع بعض السياسيين السنة أمثال رئيس مجلس النواب (سليم الجبوري)، ونائب رئيس الجمهوري السابق (أسامة النجيفي)، وعدد كبير من النواب، ممن كانوا يحضرون يوم الجمع لساحات الاعتصام، أملين بنيل رضاه في الانتخابات القادمة، وشعر المواطن السني بإمكانية ان تتعدل موازين القوى برجوع الساسة لمرجعية دينية، كل ذلك كان سببا في علو شانه وخلال فترة قصيرة من ظهوره.

وإذا كان المجمع يرى انه مجمع شرعي غير سياسي، يهدف إلى تشكيل هيئة شرعية تعنى بأمور الإفتاء وما شابه ذلك، وكان عليه ان يستفيد من عناصر القوة التي تمتع بها، إلا أن طموح بعض ان لم نقل كل قادته وبعض السياسيين الطامحين أن يكونوا جزءًا من المرجعيات الدينية بشكل يماثل المرجعية الشيعية، والمعترف بها قانونيًّا، إلا ان خطوات المجمع كانت خطوات غير مدروسة مما سيجعل نهايته كنهاية ديوان الوقف أو هيئة علماء المسلمين، خاصة بعد المعركة التي خسرها مع (العبادي) بحصر ترشيح رئيس الوقف به، وهو ما وعدهم به في زياراته لهم في إحدى الأزمات، فقام (العبادي) بتعيين (عبد اللطيف الهميم) رئيساً لـديوان الوقف السني على الرغم من معارضة المجمع الفقهي والحزب الإسلامي العراقي و(أسامة النجيفي). وبهذا ضعف موقفهم السياسي، وبشكل تدريجي تراجع موقفهم الشرعي، بسبب إصدار المجمع لبيانات داعمة للعمليات العسكرية في مناطق أهل السنة وعدم اتخاذه الموقف الحازم ضد الممارسات الحكومية وميليشياتها ضد أبناء السنة ففقدت الكثير من مؤيده.

فيما يبقى العامل الأساسي لعدم تمتع المجمع بالقوة التي ستمكنه من نيل رضا عموم أهل السنة، وحصوله على الشرعية الشعبية قبل الشرعية الحكومية، والتي لم تكن هي في يوم من الأيام طموح علماء الدين والفقهاء من أهل السنة، هو استعجال الإعلان عنه في وقت كانت تجري مشاورات بين ممن كان يمكن ان يشكلوا قوة وتأثيراً داعم للمجمع، كعائلة السعدي وعلى رأسها الشيخ (عبد الملك السعدي)، ومفتي العراق (رافع الرفاعي) وهيئة علماء المسلمين وغيرهم من المشايخ والجهات والتي كان ممكن ان يعطوا للمجمع زخما وقوة  في مواجهة الحكومة وغيرها ممن له مشاريع بالضد من أهل السنة.

 

ونحن إذ نقدم هذه القراءة المختصرة لتاريخ البحث عن مرجعية دينية سياسية تمثل أهل السنة، فإذا كان التاريخ الإسلامي لم تتواجد فيه مثل هكذا مرجعية رغم ما مر به المسلمين طوال تاريخهم الذي يمتد لأكثر من (1400) عاما، ربما هو ليس السبب الذي يجعل مثل هكذا أمر خارج إطار الشرع، ولكن ما هو خارج الشرع ان يتم احتكار هذا الأمر من مجموعة تدعي ان لها الحق في ذلك، ومن ثم تحتكر الفتوى وبمسوقات غير شرعية بل تعتمد على تفسيرات تصفها هي بأنها من السياسة الشرعية، في حين هي مخالفة لصريح النص (القرآن والسنة، وإجماع الصحابة)، ويبقى الأمر الأخر والأخطر هو محاولة البعض التشبه بالمرجعيات الشيعية، بحيث يصبح كلامها هو كلام المعصوم والراد عليه كالراد على الله سبحانه وتعالى.

 

وأخيراً فانه في الوقت الذي لا نغفل ما نمر به من تاريخ غارق بالدماء والآلام والتضحيات، ولكن الثمن الذي يجب ان يدفعه كل من يريد ان يتصدى صادقًا لمنصب الخطابة أو الإمامة في بيت من بيوت الله، وهم القدوة الذين تعلمنا منهم ألا تأخذنا في الله لومة لائم، وأن قدر الله لا مفر منه، وأن الجنة لها ثمن وهو الصبر على ذلك، ولذلك فعليهم ان لا يبيعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، وأن تكون لهم من سلف الأئمة والصالحين وأهل المواقف أسوة حسنة، وليتذكروا ما سمعناه منهم من قول اللص للإمام (أحمد بن حنبل) في محنة خلق القرآن، «اصبر يا إمام فإنك على الحق».

وما النصر إلا من عند الله.

وللحديث بقية ان شاء الله