الصحوات

الصحوات

الحلقة السابعة من (قراءة في المشاريع السياسية السنية)

بقلم: انس المندلاوي

خاص بمؤسسة أبعاد البحثية

من المشاريع القديمة الجديدة في عالم السياسية الدولية والتي برزت خلال القرون القلية الماضية، والتي كانت من ضمن مشاريع الاستعمار في السيطرة على الدول، والتي تعرف بسياسة فرق تسد، والتي مورست لضرب المشاريع الوطنية، وذلك من خلال استغلال ذوي النفوس الضعيفة، وليس حتما ان يكونوا من المجاهيل بل ربما يكونوا من أصحاب الفكر والأقلام المؤثرة في شعوبهم، أو من ذوي الجاه والتأثير الاجتماعي، ومن يقرأ تاريخ الاحتلال وحقبة الاستعمار لا في العراق وحسب وإنما في جميع الدول التي تعرضت للاحتلال فسيجد هذا المشروع قد طبق بشكل أو اخر، وإذا كانت قوات الاحتلال الصليبي ضمن التحالف الدولي قد دخلت العراق بمساعدة من قبل هكذا نماذج وبشكل خاص من قبل القوى السياسية والشعبية الشيعية والساسة الكرد وأتباعهم، إلا ان المشروع الاستعماري الجديد ومع كل ذلك الدعم لم ينجح وكان الفشل قاب قوسين أو أدنى بسبب ضربات المجاهدين من أهل السنة العرب حصرا، ومن يراجع بيانات القيادة العسكرية الأمريكية وأماكن قتلى جنودها سيجد هذه الحقيقة ماثلة أمامه ولا تحتاج إلى تحليل أو استنتاج، ولذلك كان يبحث على أسلوب استعماري قديم يستهدف أهل السنة لأنهم سبب تلك الخسائر، فكان مشروع الصحوات هو طوق النجاة من خسارة أمريكية ليس على المستوى العسكري وإنما تستهدف السمعة الأمريكية التي اكتسبها منذ الحرب العالمية الأولى، والتي كانت محطتها الأولى بالتدخل الخارجي.

فكيف بدا هذا المشروع ومن هو مؤسسه الحقيقي، لقد كان المشروع الجهادي كما يرى من شارك بالعملية السياسية انه عقبة في تحقيق طموحهم السياسية المرتبط بقوات الاحتلال، والذي يتعرض لخسائر فادحة في مناطقهم التي يمثلونها، ولذلك فقد عملت الأحزاب والشخصيات السنية التي دخلت بالعملية السياسية إلى إيجاد مشروع يكون بديل للمشروع الجهادي والمقاوم، يضعها موضع الثقة من قوات الاحتلال، وكانت المبادرة الأولى لهذا المشروع قد تمت بإشراف الحزب الإسلامي في الانبار، وهو ما أكده (طارق الهاشمي) وغيره من قادة الحزب، وفضلا عن ذلك فمن يتذكر المؤتمر الأول لهذا المشروع سيجد ان الدور الأكبر كان للحزب، ونرى ونعتقد ان الخوف من فشل التجربة بسبب قوة الفصائل المسلحة آنذاك جعلت الحزب ينحسر دوره في مرحلته الأولى وبشكل خاص في محافظة الانبار، ولذلك نجد بروز لدوره لاحقا في باقي المحافظات بعد نجاح التجربة وحصولها على دعم ومباركة وتكريم من الأمريكان لما بذلوه من جهود في انقاذ المشروع الأمريكي من الانهيار ومعه سمعة ومكانة أمريكا في العالم، وكان ذلك بفضل عدد من الشخصيات العشائرية في الانبار والتي تضرر عملها في التهريب بسيطرة الفصائل المسلحة على عموم المحافظة، ولان همم الأول هو المال وليس سواه، فكان الثمن سهلا لأمريكا كيف لا وهي تدفع من أموال العراق لا من أموال دافعي الضرائب في أمريكا، وهي لا تعادل كما تبين لاحقا من التصريحات الأمريكية وغيرها قيمة دبابة أو حتى اقل من ذلك.

كانت المرحلة الرئيسة للانخراط في هذا المشروع بما سمي أولا (أبناء العراق أو الصحوة السنّية) حتى استقر اخيراً تحت اسم (الصحوات)، وكان المشروع قد بدا تنفيذه من أواخر العام 2006 ودخل تحته رايات عشائرية وتجمعات محلية في الحواضر، وكل ذلك بدعم من الولايات المتحدة وحلفائها، وكان المستهدف جميع من يحمل السلاح ضد قوات الاحتلال والقوات الحكومية، ولذلك تم استهدفت جميع الفصائل ولم ينحصر عملها ضد تنظيم القاعدة في العراق (الدولة الإسلامية لاحقا)، أما من ارتبط اسمه بهذا المشروع واعتبر هو المؤسس له فهو (عبد الستار أبو ريشه) ابن أخت وزير الدفاع (سعدون الدليمي) والذي قتل لاحقا، ثم أصبح أخوه (احمد أبو ريشه) مكانه، وخالهم الذي قال عندما كان وزير الدفاع في حكومة (الجعفري) انه سينفذ عملية في الانبار سيقتل فيها حتى الأطفال الذين في بطون أمهاتهم، وهي نفس العبارة التي أعادها على مسامعنا لاحقا قائد الصحوة شمال بغداد (ملا ناظم الجبوري) في أول لقاء له مع العربية وهو يهدد تنظيم القاعدة.

وبعد انتهاء الجزء الأكبر من مهمة الصحوات كان لابد من عملية تصفيتهم، فكان ذلك بعمليات قتل وتصفية لقادتهم وبشكل خاص لمن كان منهم يعمل سابقا ضمن الفصائل المسلحة، فيما كان الاستهداف الأكبر يتم بعمليات اعتقال وتفجيرات أثناء تجمعهم لاستلام رواتبهم والتي كانت تتم داخل الثكنات العسكرية، وفيما لم تفِ الحكومة وقوات الاحتلال بربط العناصر بالأجهزة الأمنية أو بالدوائر المدنية، انظم قائد الصحوة الجديد (احمد ابو ريشة) للعبة السياسية، وكان ذلك في انتخابات 2010 في تكتل ضمه من وزير الداخلية في حينها (جواد البولاني) ورئيس الوقف السني (احمد عبد الغفور السامرائي) ضمن ائتلاف وحدة العراق، ولكن الائتلاف بعمومه فشل في تحقيق طموحهم السياسي، ونتيجة ذلك فقد انضم (احمد ابو ريشة) إلى ساحة الاعتصام في الانبار والتي خرجت نهاية العام (2012)،، ولذلك تم طرده من قيادة الصحوات واستلمها (وسام الحردان)، وجاء الارتباط هذه المرة بعملية حسابية للخسائر والأرباح التي يمكن ان يحققه وأمثاله من اعتلاء المنصات في ساحات الاعتصام في عموم المحافظات، فهم كانوا تبعا لمصالحهم لا تحكمهم لا عقيدة ولا مبادئ حزبية، وإنما في بعض منها كانت مرتبطة بالحمية الجاهلية، فان القسم الأكبر وعلى رأسهم قادة الصحوات أمثال (احمد أبو ريشة) والذي كان يطمح بان يكون لهم نصيب مما سيتحقق من مكاسب سياسية لاعتقاده ان الحكومة سوف تستجيب لتلك المطالب وستكون هناك فدرالية سيكون لهم نصيب في قيادتها، وربما توهم انه سيكون مثل (مسعود البرزاني)، ولأنه كما قلنا لا يحمل عقيدة فسرعان ما ترك أهله لسلاح المليشيات الشيعية، فترك ساحة الاعتصام وانزوى بعيدا بعد عملية اعتقال النائب والشخصية البارزة في ساحة الاعتصام (احمد العلواني)، فيما شارك ابن أخيه (محمد خميس أبو ريشة) القيادي في ساحات الاعتصام ضمن المليشيات الحكومية فقتل وهو يدافع عن الحكومة الطائفية ضد أبناء جلدته ولا نقول أبناء طائفته، ومن يومها و(احمد أبو ريشه) اختفى عن الأنظار قبل ان يظهر ضمن مجموعة مجلس المحافظة وبعض الانتهازيين وهم يبحثون عن دعم لإعادة اعمار محافظة الانبار التي دمرها القصف الحكومي وتفجيرات مليشياته التي يدعمونها، أكثر من اثر المعارك المباشرة مع الدولة الإسلامية.

وإذا كان من بين من ارتبط بمشروع الصحوات ضباط من الجيش السابق والأجهزة الأمنية، فكانوا على راس من تم اعتقالهم بعد انتهاء مهمتهم وانتهاء الغاية من السماح له بالظهور علنا بعد ان كان الأغلب منه مختفي أو مهاجرا خارج العراق، وكانت عمليات الاعتقال التي طالتهم بحجة ارتباطهم بالنظام السابق، فيما تم اعتقال الاخرين بعد ان تم توجيه لهم اتهامات عن عملهم السابق أثناء فترة ارتباطهم بالفصائل المسلحة، وهكذا انتهى هذا المشروع بصيغته الأولى.

وبعدما حققته الصحوات آنذاك من نتائج ايجابية بإنجاح المشروع الأمريكي وإنقاذه من الفشل المحتم الذي كان قاب قوسين أو أدنى، شرعت الإدارة الأمريكية بإعادة الحياة للصحوات وبتوصية من دول عربية حسب صحيفة (التايمز) البريطانية بعد انهيار الجيش في حزيران 2014 والذي شكلته بعد احتلالها للعراق، إلا ان تنامي الدور الإيراني في العراق، وصدور فتوى السيستاني بما سمي الجهاد الكفائي ضد أهل السنة فشلت حتى عملية تسليح السنة أو تمكينهم من الانخراط في عمليات القتال إلا ان كان تحت أمرة تلك المليشيات التي منحت الشرعية بتلك الفتوى، على ان يكون هؤلاء في المقدمة لينالهم القتل من خلال الاشتباكات او بانفجار العبوات الناسفة عليهم، وهذه حقيقة بينها لنا العديد من أهالي القتلى، وهو حال السنة في الأجهزة الأمنية المختلفة، فيما المكاسب تحسب للحشد الذي يدخل ومعه الفضائيات لتصور انجازه على جثث أهل السنة، وهكذا تم واد هذه التجربة مرة اخرى قبل ان تولد.

 

أسباب فشل مشروع الصحوات

مع انه كان يمكن لمشروع الصحوات ان يغير المعادلة السياسية في العراق بصورة كاملة؛ كونه كان يحمل مقومات النجاح أكثر من أي مشروع سابق، إلا ان العاملين عليه لم يستطيعوا ان يستفيدوا من النجاحات التي قدموها لقوات الاحتلال، ويعود ذلك للحظات الأولى لتأسيسه، حيث لم يكن لمؤسسيه أو من أشار على قوات لاحتلال بإنشائه أي طموح سياسي، سوى الكسب المالي، وهو ما تأكد لبوش الذي قام بزيارة مخصوصة للقاء (عبد الستار ابو ريشة) حيث هبط بطائرته في محافظة الانبار، ولم تجد قوات الاحتلال للمؤسسين أي طموح سياسي سوى مطالب مالية، فكان الأمر بالنسبة لهم سهل بان شتتوا المشروع على أشخاص متناحرين اختاروهم بهذا الشكل لضمان عدم توحدهم تحت مشروع واحد لاحقا، يمكن ان يهدد المشروع الشيعي والأمريكي في المنطقة، وان لا يكونوا بقوتهم العسكرية والمسلحة وان كانت بأسلحة خفيفة قوة ربما يمكن ان تنقلب على مؤسسيها، ولذلك فأنهم جعلوا ارتباطهم بالقيادة الأمريكية يكون بشكل فردي ومعتمد على المناطق التي يعملون بها، لضمان هذا التفرق، دون ايجاد قيادة مركزية تجمعهم حتى ضمن المحافظة الواحدة. ولذلك فعندما تم الانتهاء من خدماتهم بعد العام 2010 تم أرضاء البعض ممن له قوة على حساب المجاميع الصغيرة، وذلك بضم أتباعهم كعمال خدمة في بعض الدوائر، وبنسبة قليلة جدا ضمن الأجهزة الأمنية وكان ذلك بنسبة اقل بكثير عن نسبة ال 20% من المجموع المسجل وهم بحدود 120 ألف شخص، فيما تم الاستغناء عن النسبة الأكثر منهم.

وللحديث بقية ان شاء الله