طغيان القبلية والإقليمية والعرقية على مفهوم الأمة

1041

من سلسلة خطوات نحو الإصلاح (6)

بقلم: د. خضر الياس جلو

خاص بمؤسسة أبعاد البحثية

كانت العصبية القبلية والدموية شديدة جامحة، وكان أساسها جاهلياً تمثله الجملة المأثورة عن العرب: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)) فكانوا يتناصرون ظالمين أو مظلومين. وكانت في المجتمع العربي طبقات وبيوت ترى لنفسها فضلاً على غيرها، وامتيازاً، فتترفع على الناس ولا تشاركهم في عادات كثيرة حتى في بعض مناسك الحج، فلا تقف بعرفات وتتقدم على الناس في الإفاضة والإجازة، وتنسأ الأشهر الحرم، وكان النفوذ والمناصب العليا والنسيء متوارثاً، يتوارثه الأبناء عن الآباء، وكانت طبقات مسخرة وطبقات سوقة وعوام، فكان التفاوت الطبقي من مسلمات المجتمع العربي.

وكان الحرب والغزو مما طبعت عليه طبيعتهم العربية، وألهمتهم إياه معيشتهم البدوية، حتى صارت الحرب مسلاة لهم وملهى فقال قائلهم:

وأحياناً على بكر أخينا *** إذا ما لم نجد إلا أخانا

هانت عليهم الحرب وإراقة الدماء حتى كانت تثيرها حادثة ليست بذات خطر، فقد وقعت الحرب بين بكر وتغلب ابني وائل ومكثت أربعين سنة أريقت فيها دماء غزيرة، وما ذاك إلا لأن كليباً-رئيس معدّ-رمى ضلع ناقة البسوس بنت منقذ فاختلط دمها بلبنها وقتل جساس بن مرة كليباً، واشتبكت الحرب بين بكر وتغلب، وكان كما قال المهلهل أخو كليب: ((قد فني الحيان وثكلت الأمهات ويتم الأولاد دموع لا ترقأ وأجساد لا تدفن))

كذلك حرب داحس والغبراء فما كان سببها إلا أن داحساً فرس قيس بن زهير كان سابقاً في رهان بين قيس بن زهير وحذيفة بن بدر فعارضه أسدي بإيعاز من حذيفة فلطم وجهه وشغله ففاتته الخيل، وتلا ذلك قتل ثم أخذ بالثأر ونصر القبائل لأبنائها، وأسر ونزح للقبائل، وقتل في ذلك ألوف من الناس. وكانت الحياة كلها شبكة محبوكة من تراث وثارات وفشت حبائلها في القبائل وأوصى بها الآباء والأبناء، وحملت العيشة البدوية وقلة أسباب الحياة، والطمع والجشع، والأحقاد والاستهانة بحياة الإنسان على الفتك والسلب والنهب، حتى كانت أرض الجزيرة كِفة حابل لا يدري الإنسان متى يغتال وأين ينهب. وكان الناس يُتخطفون من بين عشيرتهم في القوافل.

لذا كان أول ما أكد الإسلام عليه مفهوم الأمة وعبر عن ذلك في مواضع عدة من كتاب الله سبحانه وتعالى، متميزة بمجموعة من الخصائص ليحافظ على قواها، ويبعدها عن التشرذم والتفكك، والانهيار. إن تنظيم الأمة يحتاج إلى الاستفادة بكل الإمكانات المتاحة، ووضعها في صورتها الإيجابية المنتجة لتحمي الجهد والوقت والطاقات. إن مجموعة من الناس مهما بلغ عددها لا يمكنها أن تقوم بما تقوم به الجماعة، ولا تتمكن من أداء دور الأمة مع الإسلام أو مع أي هدف آخر.

ودور الأمة مع الإسلام عظيم ومهم حدده الله تعالى بقوله سبحانه: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)) البقرة:143، وبقوله تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)) آل عمران: 110.

اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة بتنظيم الأمة فآخى بين رعاياها، وجعل الأخوة حقيقة مستمرة على الزمن كله لتكوين القاعدة الصلبة المطلوبة. إن أخوة المؤمنين لم تكن من أجل الاشتراك في نشاط ما وترك ما عداه، أو التوحيد في الولاء لفرد وفقط، وإنما كانت الأخوة في الله، وتحت وشيجة العقيدة، إنها ليست علاقات الدم، ولا علاقات الأرض، ولا علاقات الجنس، ولا علاقات التاريخ، ولا علاقات اللغة، ولا علاقات الاقتصاد، ليست هي القرابة، وليست هي الوطنية، وليست هي القومية، وليست هي المصالح الاقتصادية.

إنما هي علاقة العقيدة الإيمانية التي تجمع بين الراعي والرعية في اتجاه واحد، وتأخذ روابطها من الإسلام وتجعل كل فرد مسئولا عن حقوق هذه الأخوة أمام الله تعالى، وأمام الناس أجمعين في إيثار خال من الأنانية، وفي خلق بعيد عن الفوضى والظلم.

وساهم نظام المؤاخاة في ربط الأمة بعضها ببعض، فقد أقام الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الصلة على أساس الإخاء الكامل بينهم، هذا الإخاء الذي تذوب فيه عصبيات الجاهلية، فلا حمية إلا للإسلام وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتأخر أحد أو يتقدم إلا بمروءته وتقواه. وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخوة عقداً نافذاً لا لفظاً فارغاً، وعملا يرتبط بالدماء والأموال لا تحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر.وكانت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال. ومن نتائج المؤاخاة القضاء على الفوارق الإقليمية والقبلية ليست بالأمر الهين في المجتمعات الجاهلية، حيث العصبية هي الدين عندهم، وعملية المؤاخاة تهدف إلى إذابة هذه الفوارق بصورة واقعية منطلقة من قلب البيئة الجاهلية.

إن من الأمراض في الصف الإسلامي المعاصر سيطرة الروح الإقليمية والعصبية في نفوس بعض الدعاة وهذه الأمراض تحيل بينهم وبين التمكين وتضعف الصفوف بل تشتتها وينشغل الصف بنفسه عن أهدافه الكبار، وقد تولد هذا عن أمراض في نفوس بعض الأفراد بسبب بعدهم عن القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين، فلم يتربوا عليها ولذلك كثر التناحر والتباغض. إن المسلمين اليوم بأشد الحاجة إلى مثل هذه المؤاخاة التي حدثت بين المهاجرين والأنصار، لأنه يستحيل أن تستأنف حياة إسلامية عزيزة قوية إذ لم تتخلق المجتمعات الإسلامية بهذه الأخلاق الكريمة، وترتقي إلى هذا المستوى الإيماني الرفيع وإلى هذه التضحيات الكبيرة.

ثم دعا الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى توحيد الإنسانية بمحو العصبية القبلية وقتل النعرة الجنسية وتغيير القياس لدرجات الناس، فجعل التقديم والتكريم بالتقوى، وبذلك زالت الفروق الاجتماعية بين الباهلي والقرشي، وبين الفقير والغني، وبين الأسود والأحمر (إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى).

إن الإيمان بالله والرسول واليوم الآخر والإسلام لله ولدينه أقام عوج الحياة، ورد كل فرد في المجتمع البشري إلى موضعه، لا يقصر عنه ولا يتعداه وأصبحت الهيئة البشرية طاقة زهر لا شوك فيها، أصبح الناس أسرة واحدة أبوهم آدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل بٌر تقيٌ كريم على الله تعالى، ورجل فاجر شقي هين على الله تعالى))… ويقول: ((إن أنسابكم هذه ليست على لمنسبة على أحد، كلكم بنو آدم، طف الصاع لم يمنعوه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى))، وعن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود، إلا أن تفضله بتقوى الله)) ويسمعه الناس يقول فيما يناجي به ربه في آخر الليل: ((وأنا شهيد أن العباد كلهم أخوة)).

واقتلع صلى الله عليه وسلم جذور الجاهلية وجراثيمها، وحسم مادتها، وسد كل نافذة من نوافذها، فقال: ((ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية))

وتغيرت بذلك نفسية العربي وعقليته حتى أصبح ذوق المسلم العربي لا يسيغ ذلك المثل العربي السائر، فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم مرة: ((أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)) لم يملك نفسه، فقال: ((يا رسول إذا نصرته مظلوماً فكيف أنصره ظالماً؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه)).

وكان عصر الرسالة سعياً موصولاً لتحقيق هذا المفهوم (الأمة) الذي أستكمل أسبابه بإعلان براءة في العام التاسع للهجرة وتصفية الوجود الوثني. وجاء الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم لكي يمضوا خطوات واسعة أخرى في تعزيز هذا المفهوم ومده إلى أوسع الآفاق، حيث تحققت عالمية الدولة الإسلامية، وأصبح مفهوم الأمة ينطوي على كل الجماعات والشعوب التي انتمت إلى هذا الدين، بغض النظر عن ألوانها وأصولها القومية وبيئاتها الجغرافية. وقد أتاح هذا المفهوم بصيغته الواقعية فرصة فريدة لتلاقح الخبرات، وإغناء الحضارة الإسلامية بالمزيد من الخصب والعطاء.

العودة للجذور

ولا بد لنا من الغوص إلى أعمق الأعماق وبلوغ الجذور وعدم الرضا بالقشور، مهما كانت المثبطات في أصول تربيتنا وقصور عقليتنا وما فيها من دواعي الخوف والتهيب والقداسات المخلصة حيناً والزائفة أحياناً كثيرة بتأثير الصراعات الشعوبية والفئوية والطائفية والفكرية على مدى عرض كيان الأمة وتاريخها الطويل، والتي قلما تسفر عن وجهها الحقيقي وتختفي في جل الحالات في مسوح المخاوف والخشية والقداسة لتشل النفوس والعقول عن التفكير والتدبر والأخذ بناصية الحق والعقل والعمل.

لذلك علينا النظر في كياننا وتاريخنا على كامل مداه حتى اليوم دون استثناء بنظر الفاحص المدقق الذي ينشد الفهم والمعرفة الصحيحة الصادقة لا القداسة الزائفة ولا الملامة والتشهير الفاسد العقيم. وأول مظاهر بروز الأزمة في كيان الأمة وتاريخها كان قيام الفتنة الكبرى التي اندلعت معها سلسلة من الحروب الأهلية الطاحنة داخل الدولة والمجتمع الإسلامي، وسقطت الخلافة الراشدة وقام في موضعها سلطان قاهر وملك وعصبية بدءاً بدولة بني أمية.

وقيام الفتنة وسقوط الخلافة الراشدة من الأحداث المهمة في تاريخ الأمة لا يمكن تجاوزها دون فهمها وفهم الأسباب التي أحدثتها ومتابعتها وفهم الآثار المترتبة عليها والناجمة عنها والتي لا تزال تؤثر في مقدراتنا، حتى تتمكن الأمة بمتابعة مسيرتها بدقة ودراية للخروج من المرحلة التي نعيشها ونعاني من سلبياتها.

وكانت العصبية القبلية مادة تهيج النفوس وتحركها، وكانت في دورها هذا مفتاحاً للفتنة، إذ كانت بعض القبائل ترى لنفسها موقع قدم وفضل في الفتوح، وتأنف رياسة قريش عليها، ووافق ذلك أيام الخليفة عثمان رضي الله عنه، فكان ذلك مؤشراً لبداية الفتنة في الكوفة، وهي أول مصر نزغ الشيطان بين أهله في الإسلام كما يقول الشعبي. وما لبثت النزعات التفكيكية أن أخذت تطل برأسها منذ بدايات مبكرة، ونشب صراع قاس ومرير بين تيارين هما تيار الإسلامية بمفهومها الوحدوي، وتيار القبلية بمفهومها الانفصالي الضيق. وقد انعكس هذا في جملة حلقات خطيرة عبر التاريخ الإسلامي منذ عهوده المبكرة، من مثل الردة والفتنة والصراع الدامي بين عرب الشمال وعرب الجنوب أو (بين القيسيين واليمانيين) وصولاً إلى الحركة الشعوبية التي أعلنت الحرب المكشوفة أو المغطاة ضد كل ما هو عربي.

 

 

التربية وأثرها في الفتنة

والسبب الذي أدى إلى الفتنة وسقوط الخلافة الراشدة هو التغيير الذي حدث دون التفات كافٍ إليه، أو قدرة على تلافيه، ألا وهو تغير القاعدة السياسية التي ارتكزت إليها القيادة والخلافة الإسلامية الراشدة، بكل ما يمثله الأصحاب من نوعية وتوجه وإعداد ونضج وتربية، وفي زحمة الأحداث وتدافعها وما واجهته الدولة الإسلامية من تحدي الإمبراطوريات الكبرى في فارس وبلاد الروم، فإننا نجد أن المجال قد أنفتح واسعاً لتدفق رجال القبائل من الأعراب وعلى ما كانوا عليه في ذلك الوقت من عصبية وجهالة من مضاربهم في أطراف البوادي للانضمام إلى جيش الفتح مع تقلص دور الأصحاب المتضائل بسبب السن والاستشهاد. لقد مكن هذا في النهاية للأعراب من جيش الدولة بكل ما حملوه معهم إلى جانب معالم الإسلام العامة من المفاهيم القبلية والعصبيات، والذين لم تخضع نفوسهم لما خضع له الأصحاب من تربية وتدريب وتوعية على مدى سنين الدعوة والمعاناة عبر عقود بناء الدولة والمجتمع المسلم بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأوائل الخلفاء الراشدين.

وبسيطرة الأعراب من رجال القبائل على جيش الخلافة والفتح تغيرت القاعدة السياسية التي تستند إليها الخلافة، ولم تعد القيم والغايات والمقاصد والمعايير النبوية الإسلامية الخالصة هي تلك القيم والغايات والمقاصد والمعايير التي يستند إليها الجيش الجديد والقاعدة السياسية الجديدة. ولذلك كان لابد أن تنشب الفتنة وأن تسقط الخلافة ليقوم في مقامها سلطان القبيلة والعصبية والاستئثار والاستبداد، وكان طبيعياً وقد تغيرت القاعدة السياسية أن يستقر الأمر لسلطان بني أمية، وألا يستقر لعثمان أو علي أو الحسن من بعده رضي الله عنهم أجمعين.

 

آثار الفتنة

إن المتتبع لوقائع التاريخ الإسلامي بعد الفتنة يخرج بنتائج ومعالم واضحة منها:

  1. كثرة الخلافات والحروب التي أضرم نارها حركات لم يستفد منها، إذ استنفدت جهودها في قتال المسلمين بدلاً من الاشتغال بأعمال الجهاد في سبيل الله، وأظهر أصحابها كالخوارج والشيعة شجاعة وبسالة نادرتين، لكن لم تستعملا في مكانهما المناسب، إذ لم يكن هؤلاء نكاية على الكفار والمشركين، وإنما كانوا بدلاً من ذلك سبباً في إهدار دماء المسلمين وأموالهم.
  2. إن الخطر الخارجي لم يكن هو الأخطر والأصعب، وإنما كان الخطر الداهم هو الخطر الذي كان ينخر في كيان الدولة الإسلامية، فالحركات والثورات المتعاقبة أتعبت حسم هذه الدولة واستنفدت قواها المذخورة.
  3. إن ذكريات الخلافة الراشدة كانت ماثلة بين أعين كثير من المسلمين ويتمنون أن يعود الأمر كما كان، فهناك حنين دائم إلى النموذج الراشدي، ودائماً يقاس الحاكم بأبي بكر وعمر، فكانت تقوم الحركة تلو الحركة بسبب تحول الخلافة إلى ملك عضوض فيه قسوة وظلم مع أن فيه قوة وجهاداً لأعداء الله، كمن جمع عملاً صالحاً وآخر سيئاً، لكن لم يكن هدف الحركات هو إعادة الخلافة على منهاج النبوة، بل كان لبعضها أهداف أخرى ذاتية مصلحية ذات صلة بالسلطان والجاه والمال.
  4. إن تلك الحركات إما انتهازية أو مدفوعة بعاطفة إسلامية صادقة لكنها كانت عاطفية انفعالية، فسرعان ما تلاشت لأنها تفتقر إلى حسن التدبير والتنظيم وحساب العواقب، وعلى أي حال كانت خسارة كبيرة للمسلمين في دمائهم وأموالهم ووحدة كلمتهم.
  5. وما من ريب في أن هذا الصراع استنزف من الأمة والدولة الشيء الكثير، كما أنه مزق طاقات المسلمين وبعثرها، وأثر بالتالي على جهدها الحضاري الذي رغم تناميه المتواصل بعيداً عن سلبيات التفكك والتشرذم والصراع، فإنه تلقى في نهاية الأمر شيئاً من دخلها، على الأقل في تفتيت قدرات الأمة ومنعها من أن تصب في بؤرة الفعل الحضاري.

فلنتصور كما لو أن الدولة والأمة مضياً عبر القرون دون أن تعصف بهما فتن الانتماءات القبيلة أو العرقية أو البيئية المحدودة، كيف سيكون المردود الحضاري؟

من أجل ذلك حذر كتاب الله من هذا المصير وقال: ((وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)). الأنفال:46. وقوله تعالى: ((فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)). النساء:59.

 

#أبعاد