مجتمعنا وحاجاته للتسامح والتناصح

6571_med-pppp

بقلم الدكتور: حارث قحطان

خاص بمؤسسة أبعاد البحثية

بات من الضروري في ظرفنا الحالي التكلم عن مفهوم التناصح ونشر ثقافة التسامح، فمفهوم التسامح يسجل حضوره في عمق الحضارة الإنسانية ويبتدى في صيغ تتنوع بتنوع المجتمعات الإنسانية في إطار الزمان والمكان والمراحل التاريخية، حيث عرفت الحضارات الإنسانية مفهوم التسامح سواء من خلال الاديان السماوية أو الحضارات الثقافية المختلفة.

وعلى الرغم من الإشكالية الكبيرة التي يطرحها مفهوم التسامح فإن عدداً كبيراً من المفكرين يخوضون في هذه الإشكالية, ويحاولون الغوص في أعماقها، وكثير منهم يرى اليوم بأن مفهوم التسامح يمثل جوهر مفهوم حقوق الإنسان. وإذا كان التعصب يشكل مظهراً من مظاهر الحياة الاجتماعية في كثير من بلدان العالم، فإن التسامح هو المشهد الإنساني الذي تغيب فيه مظاهر العنف, وتعلو فيه قيم السلام. وهذا يعني أننا أمام مفهومين لا يتعارضان فحسب, وإنما يتنافيان على نحو الإطلاق: فالتسامح يعني غياب العنف والتعصب، والعنف والتعصب يعنيان غياب التسامح وبالتالي غياب السلام.

وتجمع القواميس العربية على أن المقصود بالتسامح هو المساهلة. أما في المعاجم الأجنبية فنجد في معجم «هاشيت» تعريفا للفظة «التسامح» بأنها «موقف يقضي باحترام حرية الآخر وطرق تفكيره وسلوكه وآرائه ومعتقداته» ، كما نجد في معجم العلوم الاجتماعية تعريفا قريبا لهذا الأخير, جاء فيه أن التسامح هو قبول الآخرين وسلوكهم على مبدأ الاختلاف، ويتعارض مع مفهوم السلطة والقهر والعنف، ويعد هذا المفهوم إحدى سمات المجتمع الديموقراطي.

 

تتضمن هذه التعريفات إذن مفاهيم تجعل من التسامح سلوكا وقيمة يتحلى بهما الشخص تجاه الآخر، خصوصا الآخر المختلف عن الذات، فكريا، إذ لا ينبغي الاعتقاد بأن الجميع ينبغي أن يكون مشابها للذات وإلا وجب إقصاؤه ونبذه، ولقد أمر الله تعالى رسوله  “صلى الله عليه وسلم”  بأعلى درجات التسامح فقال تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ } (المائدة:13)، وقال أيضا: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}(الحجر:85). «ومعنى العفو ترك المؤاخذة بالذنب، ومعنى الصفح ترك أثره من النفس، وكونه لم يبق أثره في النفس قمة في التسامح».

إذا كان الإسلام دين سلام وعقيدة محبة ووئام بين جميع الناس، مسلمين وغير مسلمين، فإنه أيضا نظام اجتماعي يستهدف تحقيق الأمن المجتمعي الشامل، الذي يرمي إلى أن يستظل بظلاله كل من يعيش داخل المجتمع ، وهذا الأمن المجتمعي هو الذي يجمع كل هؤلاء أناسا متعارفين متحابين {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا  إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات:13).

إنه حتى في حالة الخصومة والشنآن يبقي الإسلام أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك وعدالة المعاملة وسماحة الخلق، قال تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا  اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة:8)، وقال سبحانه: { عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً  وَاللَّهُ قَدِيرٌ  وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (7) لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ  إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)} (الممتحنة:7-8).

أن واقع مجتمعنا والذي يمر ولايزال منذ عدة سنوات في دوامة الاختلاف مع الاخرين مدعو إلى تأسيس نوع من ثقافة التسامح بدلاً عن ثقافة الاعتماد على حب الذات والابتعاد عن الاخرين، أن من أول مقومات التسامح والتصالح هي المساواة وتحقيق العدالة الاجتماعية، إذ يتحول المجتمع بدونها إلى حالة من العلاقة اللانسانية ومن الضروري الإعتراف بحق الناس أن يكونوا مختلفين.

ولاجل تبني استراتيجية التسامح والتصالح بين المجتمع لابد ان تكون هناك بعض الخطوات العملية في هذا المجال وهي:

أولاً: تبني برامج علمية وذلك لتنمية وعي مجتمعي.

ثانياً: وضع مناهج تعليمية جديدة لإجل إعداد جيل واع قادر على تحمل اعباء المرحلة.

ثالثاً: ايجاد أدوات إعلامية متطورة على جميع الأصعدة.

رابعاً: الاعتراف ان الاختلاف فى الرأي لابد ضبطه بضوابط الشريعة السمحاء لأجل أن يكون عنصر قوة لا عنصر ضعف .

#أبعاد