سنة العراق وأزمة القيادة وضرورات المصالح

مصالحة

بقلم: د. محمد أبو الحسن

خاص بمؤسسة أبعاد البحثية

يعيش سنة العراق اليوم اعظم محنة في تاريخهم بعد ان فرقتهم السياسة، وقسمتهم المصالح وضيعتهم القيادات، فأمسوا للأخر مغنما وللضياع واقعا، وبقدر ظلم الأخر وجوره وابتعاد الاخ وغفلته تتجلى عظم المأساة التي يعيشونها بعدما تراكمت عليهم المحن فأمسوا أما مغيب، أو معتقل، أو مبعد بعدما سلطت عليهم الحكومات وجورها وسطوة مليشياتها المسلحة ليرتد ذلك على واقعهم ولربما مستقبلهم، وفي واقع كهذا تبدو ضرورات القراءة المعمقة والواقعية لمجرى الامور لازمة من اجل اعداد مستلزمات الفهم ومن ثم بيان المعالجة، وفي ظل تعقد الملفات القائمة وصعوبتها والإعداد لكيفية مواجهتها تبدو فكرة إعداد البيت الداخلي ضرورة ولازمة بل حتمية واستراتيجية بلغة القراءة العلمية لان مواجهة الأخر بقدر ما تفترض القوة والقدرة؛ فانها تفترض كذلك قوة البناء الداخلي وصلابته بعدما نخرت السياسات السابقة والقيادات الضعيفة في بنائه فأمسى اليوم في أسوا حالاته وادنى مستوياته على صعيد القوة بل وحتى الوجود، من اجل ذلك نرى كقاعدة اساسية لاستعادة التأثير وبيان الوجود ضرورة بناء الذات اولا والذات هو الداخل فلابد من اعداد الافكار ووضع الخطط  من استعاده الجسد صحته وللدور أهميته، وغير بعيد الإدراك بان اول مراحل البناء والإعداد لفكرة المصالحة، خاصة وان والمصالحة أمر تستوجبه أبعاد عده بعضها شرعي والأخر واقعي، كذلك أيضا الاجتهادات الفقهية، ومنها فقه الواقع  الذي ينطلق من أن الأمة تواجه تحديات كبرى تتطلب الوحدة، والتماسك ورص الصفوف لأن التحديات أوسع من الإمكانات المتوفرة لمواجهتها، وهذا يسوغ ضرورات الوحدة وذاك التلاحم، وإيجاد الآليات اللازمة ومنه المصالحة باعتبار ان تحقيق ذلك سيوفر فرصة لصياغة أحكام فقهية تساهم في تكوين الرؤية المناسبة لفهم الواقع ومواجهة تحدياته، وإذا كانت للمصالحة مستويات وأبعاد فإن أولى مستوياتها المصالحة مع الذات، والمصالحة كأليه وإجراء تعني إعادة توطيد العلاقة الودية لدرجة تكفي لتحقيق الثقة رغم الانقسام المبدئي لترتكز على أربعة أبعاد أساسية هي الحقيقة: وتعني التعبير المفتوح حول الماضي، والرحمة: وتعني العفو لبناء علاقة جديدة، والعدالة: وتعني إعادة البناء الاجتماعي والتعويض، والسلام: الذي يعني السلام المشترك والحياة الكريمة والأمن لكل الأطراف، وإذا كانت المصالحة ضرورية بين المجتمعات التي تنخرط في أبعاد الصراع عندما تتوافر مجموعه من المعتقدات والقيم التي تغذي هذا الصراع، وتمنع الوصول إلى مخرج سلمي للنزاع وتطوير العلاقات الودية؛ فان المصالحة بين أبناء المكون الواحد ضرورة وهامة للبقاء واستمرارية الوجود لان المصالحة لن تكون مسار طبيعي بل حتمي ومصمم ليعمل بفعالية ويتطلب جهود حقيقية لتجاوز العقبات.

ان افتراضات المصالحة عديدة وعميقة وترتبط بطبيعة التواجد والاستمرار والصيرورة فهي مهمة لأنها: تمثل احد الأهداف الأساسية التي ينبغي لأولي الأمر وأولي الحل والعقد تحقيقها خلال المرحلة القادمة، وهذه المصالحة تأخذ أبعاد الحوار كألية أساسية للوصول إلى مشتركات ومقتربات يتفق عليها الجميع كأطار للوحدة يمكن ان يمثل أرضية مشتركة يمكن الانطلاق منها، والحوار في إبعاده هو آلية عملية تنبغي التعامل مع جميع القوى السنية على اختلاف مستوياتها دينيا وعشائريا وسياسيا سواء بين القوى المؤيدة والمعارضة بذهنية منفتحة وبتجاوز لكل عقد الماضي وإشكالاته والبناء على أساس اشتراك الجميع في نهوض أهل السنة وتجاوز الأزمة التي يمر بها ألان بعيداً عن الرؤية الضيقة والتمسك بالمكاسب فالمصالحة تعبير عن:

أ‌-      ضرورة سياسية قوامها إدراك السياسيين (المشاركين والمعارضين) أهمية الاتجاه في تسيير التناقضات نحو أعمال منهجية مساعدة بدل منهجية المواجهة العنيفة فهي تعبير لحالة توافق مذهبي يستهدف تقريب وجهات النظر المختلفة وردم الفجوات بين الأطراف المتخاصمة.

ب‌-    الاعتراف بالتعددية الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية في إطار أهل السنة، وفي إطار الالتزام بالشرع، وما يعني ذلك من إلغاء التطابق التام بين الدولة كمؤسسة وبين بعض القوى إلي تفترض قيادتها لأهل السنة.

ج- هي حالة السعي المشترك نحو إلغاء عوائق الماضي ومن ثم تصحيح ما ترتب عنها من غبن وأخطاء، والبناء وفق رؤية منفتحة تستهدف تجاوز أخطاء الماضي، والبناء وفق رؤية تتسم بالعدالة والمساواة ووحدة أهل السنة ووحدة المصير كأساس للتعامل في إطار الوطن.

د- المصالحة تسير ضمن إطار خطة شمولية ومتكاملة تسترشد بالمبادئ الأساسية المستخلصة من تجارب فض النزاعات بالطرق الهادئة، وتعمل خلال ذلك ان تسترشد بالتجارب السابقة، أو ان تضع قواعد أخلاقية وقانونية تسير فعل المصالحة وحركتها داخل إطار المجتمع.

ان جريان فعل المصالحة داخل إطار المكون الواحد أهل السنة يمكن ان يكون مدخلاً لدائرة من النتائج الايجابية التي تتعلق بتعزيز الأواصر فيما بينهم والتخفيف من وطاءة المظالم التي تعرض اليها منذ الاحتلال وامتدادا بالحكومات المتوالية والأثر الإقليمي وأهدافه التوسعية وأدواته المتعددة ومنها دكاكين الارتزاق السياسي بإعادة بناء الدور السياسي والمؤسساتي من خلال:-

1)     إعادة تحفيز العقد الاجتماعي بين أهل السنة فكراً، ومستلزمات، من خلال الإيمان بفكرة الاندماج كمنطق أساسي للعلاقة، والتي تؤدي إلى تنمية الاعتقاد بوحدة الانتماء ووحدة الهدف ووحدة المصير، وتحديد مستلزمات من خلال إيجاد كل عناصر الدعم الأساسية التي تضمن هذه الفكرة وتؤمن صيرورتها على صعيد الواقع من خلال النمط المؤسسي الذي يعتقد بها كمنطق حاكم لكل الأدوار والمهام التي يؤديها.

2)     الدمج لكل القوى المؤثرة والفاعلة والتي لم ترتضي الخنوع أو الخضوع، أو أصحاب المصالح والغايات، ومحاولة الدعوة إلى الانفتاح على كل القوى بهدف تعزيز حالة التماسك القائمة في المجتمع، المبنية على التفاعل السياسي المتبادل إلى القبول وليس القسر.

3)     الحوار الناجح يعزز الوحدة ويعمقها في أوسع معانيها، ويؤمن التواصل على القواسم المشتركة التي تمثل عناصر واضحة يحسبها الجميع ويؤمن بها ويستعدون للتضحية عنها.

وإذا كانت المصالحة كهدف مطلق تفترض الحوار كألية للعلاقة بين جميع الأطراف كأطار يتجاوز البعد النظري القائم على الانفتاح والقبول والرضاب الأخر فإنها تفترض خصائص أساسية لنجاحها وهي:

أ‌-      الواقعية/ بمعنى ان تنطلق مبادرة المصالحة من رحم الواقع من حيث تشخيص معالم هذا الواقع ومشكلاته والوقوف عليها وان توضح الأهداف بمستوى يتناسب مع الواقع وقدرة الجميع على تحقيقها.

ب‌-    الشمولية/ ان تكون المصالحة شاملة للجميع ولا تستثني أي طرف وفق مبدأ ان الحوار يأتي وفق الانفتاح على الجميع، والالتزام ملزم بفتح الحوار مع الجميع ممن تجمعهم الهوية الجامعة لأهل السنة.

ج- البحث عن الأسباب/ بمعنى ان تسعى أي مصالحة حقيقية إلى البحث عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء كل المشكلات ومحاولة تشخيصها وتحديدها وبصورة شاملة وليست مجتزئة.

د- واقعية الحلول وشموليتها/ أي ان تسعى المصالحة إلى إيجاد حلول ناجحة ممكنة التطبيق وبصورة متكاملة وعلى كافة المستويات.

هـ- الحيادية والجرأة/ ان تنطوي آلية المصالحة وحركتها على حيادية وجرأة في تناول القضايا دون ضغوط وان تتناول كافة الخطوط الحمراء بالبحث والتقصي والمناقشة.

و- الاستيعاب/ الانطلاق من مبدأ استيعاب الجميع ومحاولة احتواء واستقطاب كافة القوى سواء تلك التي دخلت في العملية السياسية أو التي لم تدخل بسبب تصورات خاصة حول العملية السياسية.

ز-تقويم المرحلة السابقة / واحدة من معايير الحوار الناجح ان يجري مراجعة متكاملة ودقيقة للمرحلة السابقة ومحاولة الوقوف على الأخطاء التي ارتكبت، والبحث في كيفية واليات تصحيحها، ومثل هذه المراجعة والتقويم والتقييم للمرحلة السابقة سوف يزود المتحاورين بالتجارب التي يمكن الإفادة منها .

س- تعدد مستويات المصالحة/ بمعنى ان تتنوع مستويات فعل المصالحة من الإطار الرسمي الذي يجمع القوى السياسية إلى الإطار الشعبي من خلال تفعيل كل الوسائل والنشاطات التي تؤمن تأهيل فكرة التسامح والعفو بين أهل السنة، وتجذير فكرة الاندماج والتعايش فيما بينهم.

وإذا كانت المصالحة احد أهداف المرحلة اللازمة فإنها تفترض في إطار هذه الدائرة أداء العديد من النشاطات والفعاليات ومن أهمها:-

  • فتح قنوات اتصال مع كل القوى السياسية المعارضة سواء تلك المشتركة في العملية السياسية، والمعارضة، وحتى المعارضة التي تحمل السلاح؛ بشرط انها لا تعارض الحوار ولا تضع خطوط حمراء للحوار أو التواصل.
  • تشكيل وفود لزيارة البلدان العربية والغربية تستهدف:
  • استقطاب الكفاءات والطاقات العلمية واولي المعرفة بهدف استجلاب أرائهم وتصوراتهم حول واقع أهل السنة وكيفية الخروج من الأزمة ألراهنه، وكذلك أيضا مقدار المساعدة التي يمكن تأمينها باعتبار ان مناطقهم أصبحت اليوم وبفعل الاخر تفتقد الى كل مقومات الحياة الحيوية، والبنى التحتية التي تؤمن للمبعد ان يعيش، ولمن ترك بيته ان يعود ولا خير في عودة لا تؤمن للإنسان احتياجاته ومستلزماته الضرورية.
  • تصحيح الصورة الحقيقية للواقع وحجم الظلم الذي تعرض اليه المكون منذ عام 2003 وتصحيح الصورة المشوهة التي تنقلها وسائل الإعلام المغرضة وبيان الحقائق كاملة، والتأكيد على الدول العربية المجاورة بأن إغفال دعم هذا أهل السنة سيجعل العراق في مهب الريح، وستكون هذه الدول هي المرحلة التالية بعدما نجحت في اجتثاث وإقصاء المكون الأساسي للعراق، ومن ثم المرحلة التالية الدعوة الى عقد مؤتمر عالمي ضمن اطار الهوية المذهبية الخالصة يبحث في الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبالتالي ينتج عنه ايجاد امانة عامة تتابع تنفيذ السياسات المتفق عليها وعبر إطار يتسم بأعلى درجات الوضوح والشفافية والنزاهة.
  • السعي إلى تشكيل قنوات تأثير داخل البلاد الغربية تحاول ان تبين حجم الأذى الذي تعرض اليه أهل السنة في العراق بغية التأثير في السياسات الخاصة بدولها، دون ان يكون لها دور ضاغط أو داعم لجهات على حساب جهات أخرى، وبالشكل الذي يدفعها إلى تبني سياسات وإجراءات يمكن تسخيرها في الدفاع عن حقوق أهل السنة ووجودهم.
  • إعداد مؤسسات علمية تعمل على رصد وتدوين كل الجرائم التي ارتكبت ولازالت ترتكب ومحاولة بيان الفرق بين واقع أهل السنة قبل 2003 على صعيد تصفية الطاقات العلمية والكفاءات والقيادات الاجتماعية وحتى على صعيد الممتلكات التي جردت بشكل قسري من اصحابها واعيد تدويلها الى الطرف الاخر وهذا الامر يبتدأ منذ 2003 مرورا” بالحرب الطائفية واخيرا” بالمحنة الحالية وبيان الجرائم المرتكبة على صعيد الأشخاص او أهل السنة بكليتهم سيما وان الجرائم التي ترتكب تصل الى جرائم الابادة الجماعية او حتى سياسات الفصل العنصري (الابارتهيد).
  • محاولة ضبط العلاقة مع دول الجوار العربي من خلال الاتفاق على قواسم مشتركة وبالشكل الذي يحول دون توظيف الورقة المذهبية كوسيلة للحصول على منافع سياسية على حساب أهل السنة في العراق لان التوظيف الإقليمي بكل الأحوال لن يكون مفيدا للورقة المذهبية لأنه سيعمل على تسطيحها وتقييد حدود الأهداف الخاصة بها ولا يمكن ان ننسى ان التوظيف الاقليمي كان أحد مسببات الأزمة الراهنة.