مستقبل العملية السياسية في العراق

العملية السياسية

أعده: انس المندلاوي
خاص بمؤسسة أبعاد البحثية
مع ما تشهده الساحة السياسية العراقية من متغيرات متسارعة، ومع ضعف المعطيات المتوفرة، تجعل من كل تحليل سياسي أو بناء نظرة مستقبلية أمر يصعب الجزم به، كونه يعتمد على الحقائق المتوفرة، وما متوفر من معطيات في المشهد العراقي تكاد تكون قليلة ان لم نقل أنها معدومة ليس على من يروم تحليل الوضع السياسي في العراق والخروج بنتائج اقرب لما يمكن ان يحدث، بل هو صعبا حتى على من داخل هذه اللعبة، إلا انه تبقى هناك بعض المعطيات التي بنيت عليها العملية السياسية بعد الاحتلال، والتي لا يمكن تجاوزها، مع البناء على حقائق لتجارب سابقة، ومع نظرة استشرفية للباحث، واعتمادا على نسب مختلفة من كل ذلك نبني هذه التصورات ونضع تدرجها حسب أهميتها.
الخيار الأول: تشكيل حكومة جديدة
نتوقع وبشكل كبير استمرار ما يطلق عليه بالديمقراطية التوافقية، بأي اسم كان حكومة (إنقاذ وطني) أو (حكومة إصلاح) إنما هي تغيير للوجه، كيف لا وان ما حصل في 30/ نيسان الماضي يشير إلى ذلك، فمع اقتحام مليشيات الصدر للمنطقة الخضراء، بعملية تسليم من قبل القوات الأمنية لها، وهروب كل النواب والوزراء منها، ومع سيطرة المليشيات على بغداد ومحيطها، وباقي المحافظات الجنوبية فضلا على سيطرتها على ميناء أم قصر، وحصل ذلك بعد انكسار القوات الأمنية من المشهد الذي حصل في المنطقة الخضراء، نقول ومع كل ذلك ولان الأمر ليس بيدهم ولا يستطيعون التحكم بنهاياتها، أعلنت حالة الطوارئ دون فرض حظر للتجوال، وهو ما حصل في 20/ أيار الحالي حيث أعلن حظر للتجوال مع إعلان حالة الطوارئ. فالأمر يتم وفق نظرية المباراة والتي تجري ألان بين الفرقاء السياسيين ومنذ الاحتلال وما بعده، لم ولن تكون مباراة صفرية، يخسر فيها الخاسر كل شي، والرابح يربح كل شي أنما يتم تقاسم للربح، كلاً حسب نسبته التي قبل الدخل فيها باللعبة السياسية التي اشترطها الاحتلال الأمريكي، وهي وفقا لما اقره الاحتلال البريطاني (1920).
وإذا كان الجميع يتفق على ان (كل ما بني على باطل فهو باطل)، فخلاصة الأمر لا وجود لحكومة (تكنو قراط) إلا ضمن النسبة المقررة سلفا وان أتوا بمهنيين فهم مرتبطين بأحزاب أو سيخضعون لهم قبل التصويت عليهم، فالتنافس والصراع بين من دخل اللعبة السياسية يتم لا على تقديم الخدمات وتوفير الأمن وتطبيق القانون، بل على المكاسب والمصالح السياسية والمادية، وفي ذروة هذا التنافس على المناصب والمكاسب التي تأتي من وراءها، تتنازع الإرادات وتخلق الأزمات وتزداد التوترات وتنعدم الثقة بين الشركاء، ولذلك يمكن البقاء على تلك المصالح بإيجاد أشخاص لم تتلوث أسمائهم وان كنوا ملوثين سرا بما حصل خلال السنوات الماضية. والفشل سيكون من نصيب أياً سيأتي لأنهم سيستلمون ميزانية خاوية وبلد مدمر.
الخيار الثاني: تقليد للتجربة للبنانية أو الإيرانية.
كل ما سيحدث هو محاولة أطراف ما يسمى بالبيت الشيعي السير بأحد الاتجاهين، الاتجاه الأول: يحاول تطبيق التجربة اللبنانية بتكوين الثلث المعطل، مستعينا بمليشيات كما هو حال مليشيات ((حزب الله)) في لبنان، فما يجمع (مقتدى الصدر وحسن نصر الله) فضلا على صلة القرابة، محاولة (مقتدى) ومن خلفه تطبيق تلك التجربة، بالضد من الاتجاه الثاني: الداعي إلى تشكيل قوات على قرار الحرس الثوري الإيراني، وهو ليس بالضد من إيران، فهو قد اعتذر عن هتافات أتباعه بعد اقتحامهم للمنطقة الخضراء، ولكنه ضد فرض التجربة الإيرانية لأنه سيكون خارجها بعد أن تم تحديد مليشيا (الخرساني، وفيلق بدر، والعصائب)، كنواة لهذه القوة. خاصة وان بعض الأفلام التي خرجت من عملية الدخول الثانية، بينت ان عملية الدخول قد تمت كسابقتها بكل سهولة، بعد السماح لهم بعبور جسر الجمهورية ومن ثم التوجه للخضراء ودخولها دون أي تصادم مع القوات الأمنية، وهي التي استلمت المهام بعد عملية الدخول الأولى، ولكن ما حصل هو ظهور قوة مسلحة ترتدي اللثام (غطاء للوجه)، وهي من سيطر على الوضع بعد استخدام القوة، فقتل (4) وأصيب أكثر من (100) آخرين، شخصهم البعض بأنهم من المليشيات التي تؤمن بولاية الفقيه والتي تعول عليها إيران أكثر من غيرها.
الخيار الثالث: حل البرلمان:
ان الأمر بهذه الصيغة لم يكن جديد بل هو تنفيذ لخطة (المالكي) بحل البرلمان، وعندما فشل تمت الأمر بمسرحية هزلية، وبدل حله وإحداث ضجة إعلامية عالمية تمت هذه العملية ليقال انه بهروب البرلمانيين حل بنفسه، ولتأتي عملية الدخول الثانية لتؤكد هذه الفرضية التي تؤكد عدم وجود حكومة أصلاً، وأمام هذه الحالة يتم تشكيل حكومة يسيطر عليها التكتل الشيعي لوحده دون باقي الشركاء، وفي أفضل حالة الإتيان بما يعرفون بـ(سنة المالكي)، وهؤلاء لا يهمهم المالكي و غيره فهم تابعا لمن يدفع لهم أكثر، ولنا في عملية إسقاط (سليم الجبوري) الذي تم من قبل هؤلاء النماذج خير دليل.
وسيتم ذلك بتشكيل جديد سيصبح هو المشرع والمشرعن لعملية التغيير التي كانت تبحث عنها إيران ومن معها. (وفي اقل تقدير ستمارس الثلث المعطل) وهو الأمر الذي يمكن ان نجده في أكثر من خيار، خاصة وان البرلمان اليوم بحكم المنحل فمع هروب أعضاء مجلس النواب عبر نهر دجلة لمن لم يسعفه الحظ بالهروب قبل الاقتحام، ولم يعد أياً منهم إلى يومنا هذا، ومن تواجد لم يستطع المغادرة في ذلك اليوم، وهكذا انفضت جلسات مجلس النواب وانتهى معها الفصل التشريعي، ولم يتم التمديد لشهر أخر كما قالت النائب (ميسون الدملوجي) ولذلك فعليه سيكون موعد انعقد الجلسة القادمة بفصلها التشريعي في تموز القادم؟ وهو مع نهاية اعتكاف (مقتدى) الذي يقيمه في مدينة (قم الإيرانية)، هذا ان لم يحدث تطور جديد يعلن حله رسميا، (وفي اقل تقدير سيستمر الحال لنهاية الدورة الانتخابية)، واستنادا لكل ذلك فكل ما يقال عن انعقاد المجلس ألان ضرب من الكذب، وهذا ما قلناه قبل الدعوة لانعقاد البرلمان بعد الدخول الأول والتي فشلت.
الخيار الرابع: من يتحكم بالوزارة الجديدة:
هو مرتبط بجميع الخيارات السابقة، وهو من سيتحكم بمن يأتي؟ وهو ان أي حكومة قادمة فستكون خاضعة لجهات تمتلك السيطرة على مليشيات لتمنحها الأمن والأمان وألا، إذا هي حكومة بشكل أو بأخر خاضعة للمليشيات، (لبننة الوضع) فالمليشيات ومعها إيران تعيث بالأرض الفساد ولا يمكن لأيا من الوزراء الجدد أو القدامى ان يتكلم مع أصغر عنصر فيهم، وهذا ما يعيشه العراق اليوم بوزرائه المعتمدين على قوة تسندهم، فكيف من يأتي وهو لا يحمل إلا قلمه. خاصة وان كل العملية التي قام بها (مقتدى الصدر) قد منحت الفاسدين فرصة لتسوية أمورهم، وبالتالي فان وزر وإجرام السنوات الماضية سيقع على عاتق من تم أو سيتم اختيارهم، وهي عملية لإنقاذ سمعة الطائفة الشيعية التي توحلت بأوسخ الصفات نتيجة فشلهم في الإدارة، وكان نجاحهم الوحيد في تمرير مشروعهم الطائفي وتزايد الممارسات والشعائر الشيعية التي لم تكن موجودة حتى في قاموس تلك الشعائر قبل سنين قليلة وليس قبل 2003.
وعموما ففي ظل إقالة ست وزراء والتصويت على خمس لم يوأدوا اليمين الدستوري بعد، ومع عدم إمكانية انعقاد البرلمان، فلا يمكن وفق الدستور ان يباشر هؤلاء ((الوزراء)) مباشرة عملهم، وسيبقى النصاب في مجلس الوزراء مشكوك فيه، خاصة إذا ما علمنا ان الوزراء الكرد ايضا لا يحضرون حتى يحصلوا على اعتذار مباشر من (مقتدى) المعتكف في (قم الإيرانية)، وعدم حضور وزرائه أيضا، وبعض الوزراء في إجازة، وهرب من تبقى بعد الدخول الثاني الذي كان هذه المرة لمبنى مجلس الوزراء، وان عملية تولية الوزراء المتبقين الوزارات الست بالوكالة فهو أمر لا يحل المشكلة بل يزيدها تعقيدا، كونهم سيعملون على نشر أتباعهم الفاسدين لتزيد مكاسبهم المادية.
الخيار الخامس: الانقلاب العسكري:
ان التعويل على القوات المسلحة أمر صعب، لعدم وجود قوى عسكرية مهنية تنقاد لها القطعات العسكرية كما كان في السابق لانعدام العقيدة العسكرية الصرفة، بعد ان أصبح أكثر ان لم نقل كل الضباط لهم ولاءات طائفية وحزبية، في ظل وجود ضباط الدمج التابعين بشكل مباشر للمليشيات، وما حصل في العام 2007 بانسحاب قوات الجيش وتسليم سلاحها لمليشيات (جيش المهدي) وهو ما حصل عند زيارة )مقتدى) للمنطقة لخضراء بتقبيل يده من قبل الفريق الركن (محمد رضا) آمر لواء حماية المنطقة الخضراء، يفترض به يرتبط بالحكومة وهو يقبل يدي من يفترض به انه أتى ليفرض حكومة على الحكومة الحالية، وهو نفسه من سمح قبل أيام من ذلك مع قائد عمليات بغداد من وصول هذه المليشيات إلى (الخضراء) أي وببسيط العبارة أن ما يحدث هو انقلاب تحت تهديد سلاح الفوضى، ، وتمام الأمر ما حصل لاحقا في 30 نيسان 2016، ومن ثم في 20/ أيار، ولذلك فمن يطرح الانقلاب أو الهيمنة من قبل القوات المسلحة فما زلنا نعتقد ما ذهبنا له منذ سنين انه من باب التمني ليس إلا، وان كان ذلك وهو أمر محال فسيكون واجهة لجهة مليشياوية، تستطيع فرض إرادتها على كل القوى المليشياوية الأخرى.
وإذ تم إعلان حالة الطوارئ أثناء اقتحام البرلمان لم يعلن معها فرض حظر للتجوال كيف لا وقائد ما يسمى بمكافحة الإرهاب يقول: “لن نتدخل في فرض حالة الطوارئ لان المتظاهرين لهم هدف محدد”. ولكن ما زاد عليه هو المتحدث الأسبق باسم وزارة الداخلية اللواء (عبد الكريم خلف) ليقول ومن على شاشة فضائية بلادي التابعة لـ(إبراهيم الجعفري): “أطالب بزيادة عدد المتظاهرين المتواجدين داخل المنطقة الخضراء، وعدم الانسحاب حتى يتم تغيير الحكومة”. ثم أضاف “المتظاهرين لا يهدفون إلى تدمير الممتلكات العامة، وشهدناهم خلال أسابيع وهم سلميون، ودخلوا البرلمان بسلمية عالية”!!!. وبذلك دلالة على طبيعة وتشكيلة الأجهزة الأمنية. وإذا كان هؤلاء قد بينوا انتمائهم لـ(مقتدى)، فأننا سنجد ذلك يتكرر إذا ما حصل تماس من مليشيا أخرى فأننا سنجد آخرين يظهروا الولاء لها، لان التقسيم تم وان كان بشكل طائفي بهيمنة الشيعة على المؤسسة العسكرية والأمنية، إلا انه مقسم ضمن الطائفة الشيعية.
الخيار السادس: الصراع بين الطائفة الواحدة:
الصراع الشيعي -الشيعي مع تحذيرات البعض ومنهم قائد فيلق بدر (هادي العامري) من احتمال حدوث صراع شيعي – شيعي، إلا أننا نرى انه لا يمكن لا لإيران ولا للمراجع الشيعية ان يسمحوا بصراع مسلح بين القوى والمليشيات الشيعية فيما بينها، خاصة وانه بين ان الخطر الأول هو أهل السنة ورمزها الفلوجة، ولكننا سنرى في ظل عدم وجود إمكانيات إجراء انتخابات جديدة، سيبقى التنافس وليس صراع بين المليشيات الشيعية مع بقاء هيمنة حزب الدعوة خلال هذه المرحلة.
الصراع بين ساسة السنة:
والواقع يثبت انه ونتيجة ما حصل خلال السنوات الماضية من الظلم والجرائم والانتهاكات، وخلال فترة وجيزة أجبرت من دخل اللعبة السياسية من أهل السنة على التحول بالطرح إعلاميا من المشروع الوطني إلى المشروع الطائفي ليواكبوا العجلة الانتخابية ليس إلا، وهم لم يعدوا العدة لا للعمل السياسي بوضعه الطبيعي ولا الطائفي، لذلك السبب ولأنعدم وجود القوة المادية والمرجعية السياسية أو الدينية لتوحيد الصفوف والتي تستطيع التصدي للملمات وبشكل فوري وحازم، ومعتمدين فيه على شرع واضح المعالم، تمكن العاملين به بالمضي قدما عند كل الشدائد، لان الواقع يحدثنا عن مشاريع يفتقر أفضلها إلى ابسط مقومات الحياة، واقتصرت جميعها على أسلوب الدفاع العشوائي الآني المعتمد على المزاوجة بين المتناقضات وستستمر لقادم الأيام، ويأتي ذلك بعد إفشالهم للمشروع الجهادي والمقاوم من خلال عمليات الاختراق، والحرب المعلنة بدعمهم لقوات الاحتلال والحكومة والمليشيات المرتبطة بالمشروع الإيراني، بل ان جميع الأحزاب والشخصيات السياسية كانت وما زالت تعمل على إضعاف بعضها البعض، لأنهم رضوا بالمحاصصة الطائفية والنسبة التي حددها الاحتلال البريطاني وهي (19%)، والتي لم تزد عن ذلك مع جميع الممارسات الانتخابية منذ الاحتلال الأمريكي، وهم ويتصارعون عليها اليوم. ولو كانت لديهم مليشيات كما للقوى الشيعية أو الكردية لرأينا انهارا من الدماء.
الصراع الكردي -الكردي: إذا كان هناك صراع كردي -كردي على مستوى الإقليم، إلا ان ذلك لن ينقل إلى بغداد بين أعضاء البرلمان أو الوزراء، وخير شاهدا على ذلك هو انسحاب مرشح وزارة النفط لان ترشيحه لم يأتي من الإقليم. في وقت يتمنون ان يتم تهميشهم من هذه الوزارة أو يتم فرضها عليهم؛ ليحصلوا على فرصتهم الذهبية بإعلانهم الاستقلال الذي طالما هددوا به، خاصة بعد ما تعرض له بعض النواب الكرد من إهانة، وتكرر عملية تسهيل دخول المليشيات للمنطقة التي يفترض بها أنها الأكثر تحصينا في العالم، كيف لا وهي تضم أكبر سفارة في العالم وهي السفارة الأمريكية.
سابعا: البعد الخارجي:
خارجيا فلا يمكن فصل العراق عما يحدث في المنطقة والأمر لا يعود للترابط الجغرافي فقط بل للترابط السياسي وتوحد الأطماع من جميع اللاعبين المؤثرين وغير المؤثرين، ومن ذلك الملف النووي الإيراني، خاصة بعد توحيد أو تقارب الرؤية الأمريكية الروسية حول القوى المعتدلة، والقوى المعارضة للمشروع الصليبي ألصفوي في المنطقة، وكل ذلك بالاعتراف بضرورة وجود دور لإيران.
أمريكيا: ترى أمريكيا ما يحصل هو فوضى مسيطر عليها ولا يمكن ان تخرج عن السيطرة، فهو ليس بحراك سياسي، ولأنه من جهة واحدة مسيطر عليه فلا يشكل خطر على تواجدها في العراق، لأنها تعرف كيف تتعامل معه، ودليل ذلك انها رغم وصول مليشيات (مقتدى) إلى أمتار قليلة عن السفارة الأمريكية، إلا انها لم تأخذ الأمر على انه تهديد لها، ولذلك فلم تتخذ أي إجراء احترازي بافتراض حجم الخطر القادم، وفي كلا الدخولين.
عربيا: هو خروج الدول العربية من أي تفاهم حول طبيعة النظام السياسي الجديد للمنطقة، والعراق خصوصا.