ماذا بعد دخول أبو دعاء وبايدن للمنطقة الخضراء

المظاهرات البرلمان

انس المندلاوي
خاص بمؤسسة أبعاد البحثية
هذا الموضوع وبهذا العنوان كان معد له مسابقا قبل ان تقتحم مليشيا الصدر المنطقة الخضراء، وإذا كان (جو بايدن) معروف للجميع كونه يشغل منصب نائب الرئيس الأمريكي، وهو صاحب فكرة تقسيم العراق، نعرف بـ(أبو دعاء) هو قائد مليشيا ما تسمى بسرايا السلام التابعة لـ(مقتدى الصدر) في سامراء، وهو من كان يوم الثلاثاء الماضي قد وقف على أبواب ما تسمى بالمنطقة الخضراء أثناء انعقاد مجلس النواب وهددهم إذا لم يقروا أسماء الوزراء التي جاء بها (العبادي) سيأتي لهم فتم له ذلك، ولكنه فعلها اليوم، وذلك بعد أيام قليلة جدا من تهديده ودخول (جو بايدن) لها، فمن يتحكم بالمشهد السياسي.
قبل الدخول في تفاصيل ما جرى اليوم نستعرض بعض الأحداث التي حدثت خلال الأسبوع الماضي والذي شهد الكثير من الأحداث المتسارعة والتي تحتاج منا لوقفة فعلية، ومن بين هذه الأحداث هي الاشتباكات التي حدثت بين مليشيات الحشد الطائفي الشيعي وبين القوات الكردية المختلفة في قضاء طوز خرماتو، وهي الاشتباكات التي أوقعت العشرات بين قتيل وجريح بينهم ضباط كبار من القوات الكردية، وكما هي الأوضاع في العراق بعد الاحتلال الأمريكي (2003) فان الخاسر الأكبر هم العرب السنة، فينما الصراع كان كردي شيعي، إلا ان المتضرر كانوا أهل السنة العرب في المدينة، فقد وقعت فيهم الإصابات والتهجير، والأمر الثاني هو طريقة حل المشكلة بين الأطراف المتصارعة، حيث تهافتت كل الأطراف من رئاسة الجمهورية إلى رئاسة الوزراء وقيادة الحشد والبيشمركة لفض النزاع فعقدت الكثير من الاجتماعات وكلما انفضت هدنة عقدة أخرى حتى تم فض النزاع بشكل كامل، وهذا الأسلوب لم يحدث ولا مرة واحدة طيلة السنوات الثلاثة عشر الماضية عندما كانت المليشيات الشيعية تهاجم مناطق العرب السنة، حيث كان التجاهل التام هو سيد الموقف، ويعود ذلك لكون ما يسمون أنفسهم ممثلي لأهل السنة العرب قد باعوا أهلهم وقبضوا ثمن ذلك وزارات ومن أموال السحت الحرام، فيما القوى المسلحة السنية والتي كانت تقف ضد هجمات المليشيات كانت محاربة من الجميع من قوى الاحتلال والسياسية وعلى رأسهم السنية.

وفي العودة إلى يوم الثلاثاء الماضي ومناقشة سير انعقاد جلسة مجلس النواب، فبعد صراع مع ما يسمون بالنواب المعتصمين والآخرين وبينهم قادة المجلس المقالين في جلسة سابقة رفضت المحكمة الاتحادية الدلو بدلوها في هذه المسالة، وعندما عجزت كل الأطراف من الوصول الحل، لم يبقى أمام الأكثرية الجديدة بعد انضمام أعضاء التيار الصدري لهم، وانتقالهم هذا كما هو زعيمهم المعروف عنه بتقلباته وتنقلاته، فانتقلوا هم من صفوف المصوتين على إقالة رئاسة النواب إلى دعمه ومشاركتهم إياه بغلق القاعة الثانية التي عقدت فيها الجلسة التي حضرها (العبادي) ومع قائمته المعدة أفواج من الحمايات التي اقتحمت مجلس النواب، ومع حماية (سليم الجبوري) كان كلبه ليفتش زملائه بأسلوب بوليسي مهين، ففاز خمس وزراء من ضمن المحاصصة التي كان (مقتدى) يرفضها، واليوم وعندما افشل نوابه اكتمال النصاب لعقد جلسة مجلس النواب، كان هو يلقي خطابه وبصريح العبارات اقتحمت مليشياته المنطقة الخضراء كما توعد هو وقائد مليشياته (أبو دعاء)، ويأتي ذلك بموافقة من واشنطن من خلال تصريح بعض المحللين السياسيين “بان الأمر هو إصلاح من قبل مقتدى”، فهل كانت زيارة (بايدن) هذه المرة تكملة لبرنامجه، وكل جهة تسيطر وبالقوة على المناطق التي تريدها، وإذا كانت المشكلة هي بغداد، فما حصل اليوم هو كما حصل خلال العام الماضي من سيطرت الأكراد على المناطق التي كانوا يطمحون لضمها لإقليمهم أو لنقل دولتهم.
لا نريد اليوم ان نقارن بين المظاهرات السلمية التي أقامها عموم أهل السنة العرب وليس لطائفة منهم ولسنة كاملة لان هذا تحدثنا فيه سابقا، ينظر لمقالنا العراق بين مظاهرتين على الرابط

العراق بين مظاهرتين


ولا كيف دخلت المليشيات للمنطقة الخضراء في ظل كونها المنطقة الأكثر تحصنا ربما ليس في العراق وإنما في اغلب دول العالم، لما فيه من سفارات لأمريكا وبريطانيا واغلب ان لم نقل كل سفارات العالم طبعا باستثناء السفارة الإيرانية، وهذا الأمر هو ما كنا قد بينا أمكانية حصوله عندما زار (مقتدى) المنطقة الخضراء، ينظر لمقاللا نريدكم تقبيل أيدي أهالي الفلوجة وإن كان واجبا، على الرابط

لا نريدكم تقبيل أيدي أهالي الفلوجة (وإن كان واجبا)


ولا نريد الزيادة في المقارنة فما ذكر يكفي وما زالت ذاكرة العالم تحفظ ما يكفي لأنه لم تمضي إلا اقل من سنتين على مظاهرات أهل السنة ومطالبهم المشروعة بإنصافهم، ولم يهددوا الوضع العام في العراق كما حصل اليوم، ومع كل ذلك يخرج علينا قائد ما يسمى بمكافحة الإرهاب ليقول: “لن نتدخل في فرض حالة الطوارئ لان المتظاهرين لهم هدف محدد”. ولكن ما زاد عليه هو المتحدث الأسبق باسم وزارة الداخلية اللواء (عبد الكريم خلف) ليقول ومن على شاشة فضائية بلادي التابعة لـ(إبراهيم الجعفري): “أطالب بزيادة عدد المتظاهرين المتواجدين داخل المنطقة الخضراء، وعدم الانسحاب حتى يتم تغيير الحكومة”. ثم أضاف “المتظاهرين لا يهدفون إلى تدمير الممتلكات العامة، وشاهدناهم خلال أسابيع وهم سلميون، ودخلوا البرلمان بسلمية عالية”!!!.
وأمام هذا الطرح ومن قادة أمنيين، وما تم بثه من صور تبين حجم التعاون بين قوات حماية المنطقة الخضراء وهي كما وصفنا بتحصينها وحجم الحماية فيها وبين مدنيين بلا سلاح وان كانوا ينتمون للمليشيات إلا انهم فعلا بلا سلاح، فهو تكملة للمشهد الذي حصل أثناء دخول (مقتدى) للمنطقة الخضراء، وهذا الواقع يعطينا تصور واضح وجلي على ان الهدف أي كان من خلفه، يهدف كما يروج له الكثير من القوى الشيعية بفرض قانون السلامة الوطنية القاضي بحل البرلمان والحكومة وتشكيل حكومة إنقاذ، وهو ما كان قد طالب به سابقا (المالكي) وعملية اقتحام ساحات الاعتصامات السلمية في المدن السنية كان الهدف منه الوصول إلى ما وصلنا اليه اليوم، وهذا ما ينسجم مع وردد من الكثير من وسائل الإعلام بان (العبادي) قد صرح بان من دخل كان بموافقته وهو من سمح لهم. ويتطابق هذا أيضا مع بيان (مقتدى) الذي بثه اليوم والذي حمل رسالة تطمين (للعبادي) عندما أعلن قبل الاجتياح بان (العبادي) يتعرض لضغوط، ويعني يجب الوقوف معه في إدارة المرحلة القادمة، ويبدوا ان هذه الرسالة كانت واضحة حتى ان (العبادي) لم يخرج إلى الإعلام وبشكل علني يوضح حقيقة ما يجري، وما نسب له من بيان لم يحمل أي قوة يجب ويفترض به ان يوجهه لمن يريد يفشل العملية السياسية وتدمير البلاد والسير به نحو المجهول، وهو القائد العام للقوات المسلحة.
واستمرارا مع ما يحصل فرغم إعلان حالة الطوارئ غير المرتبطة بفرض حظر للتجوال، فان من يسيطر على الشارع في بغداد هم مليشيات، كيف لا وهم يسيطرون على المقار الحكومية بعمومها وقادة الأجهزة الأمنية هم من سهل لهم دخولها، أفلا يسلم لهم من هي دون ذلك من الأهمية.
ومع هروب أعضاء مجلس النواب عبر نهر دجلة لمن لم يسعفه الحظ بالهروب قبل الاقتحام، انفضت جلسات مجلس النواب وانتهى معها الفصل التشريعي، ولم يتم التمديد لشهر أخر كما قالت النائب (ميسون الدملوجي) ولذلك فعليه سيكون موعد انعقد الجلسة القادمة بفصلها التشريعي في تموز القادم؟
وعودتا لما طرحنا من سؤال من يتحكم اليوم بالمشهد هل هو فعلا (مقتدى) ومعه (أبو دعاء) بما عرف عنه كونه لا يستطيع الإصرار على موقف، وهل ان (بايدن) ومن خلف السياسة الأمريكية قد فشلوا في الحفاظ على مكاسبهم وسمعتهم أمام طفل لا يعي من السياسة شيء، وهذا يضعنا أمام سؤال كيف سمحت أمريكا لهمج رعاع ليس بالوصول إلى أسوار أبوابها بل بتدمير العملية السياسية برمتها وهي تقف لا نقول عاجزة بل صامتة لما يحدث، ولا يصدر عنها أي تصريح وهي المعروف عنها بإصدار بيان صحفي عندما تحدث أفعال كهذه في دول لا تعنيها بشيء فكيف بها وهي تشهد انهيار مشروعها في المنطقة وليس في العراق، وأمام صراع وتهديد مزعوم مع مليشيات (جيش المهدي) للتواجد الأمريكي بالمنطقة، وأين إيران من كل ما يحصل، فهل يعقل ان تسمح لقوى شيعية خارج سيطرتها من الهيمنة على المشهد السياسي في العراق، هذا أمر غير منطقي لا لأمريكا ولا لإيران معا، لأنه يمثل فشل سياسي لقوتين تمتلكان من الدهاء والمكر الشيء الكثير، وهذا لا يدخلنا في باب المؤامرات بل في باب التحليل الواقعي المبني على وضع الدول في وضعها الحقيقي.
وبكل تأكيد فان المشهد لن ينتهي عند هذه الصورة الضبابية، وإنما سيكون هنالك حل سيكون بيد من يأخذ زمام المبادرة، وبكل تأكيد مرة أخرى لن يكون بيد (مقتدى)، وإذا لم يخرج من يسد الفراغ جهة سياسية أو عسكرية، تتفق هذه الجهة مع (مقتدى) أو تقف ضده، وإذا لم تخرج هذه الجهة وهذا أمر لا يمكن التكهن أو التعويل عليه، في ظل متابعتنا ولو عن بعد للقوى والمشهد السياسي في العراق، فلازما ان تتدخل قوى خارجية لإعادة الأمور إلى نصابها ولو وحسب وجهة نظرنا غير الطبيعي، وغير المقبول منا ومن طيف واسع من العراقيين إلا ان هذا أمر اقرب إلى الواقع، وذلك من خلال هذه القوى لجهات داخلية وان كان التعويل على القوات المسلحة أمر صعب، لعدم وجود قوى عسكرية مهنية تنقاد لها القطعات العسكرية كما كان في السابق لانعدام العقيدة العسكرية الصرفة، بعد ان أصبح أكثر ان لم نقل كل الضباط لهم ولاءات طائفية وحزبية، في ظل وجود ضباط الدمج التابعين بشكل مباشر للمليشيات، وما حصل في العام 2007 بانسحاب قوات الجيش وتسليم سلاحها لمليشيات (جيش المهدي) وهو ما حصل عند زيارة (مقتدى) للمنطقة لخضراء، وتمام الأمر ما حصل اليوم، ولذلك فمن يطرح الانقلاب أو الهيمنة من قبل القوات المسلحة نعتقد انه من باب التمني ليس إلا، وان كان ذلك فسيكون واجهة لجهة مليشياوية، تستطيع فرض ارادتها على باقي المليشيات التي استفحلت كثيرا، ولذلك لا يبقى إلا ايجاد أشخاص لم تتلوث أسمائهم وان كنوا ملوثين سرا بما حصل خلال السنوات الماضية، لان اللعبة التي تجري ألان بين الفرقاء السياسيين ومنذ الاحتلال وما بعده لم ولن تكون لعبة صفرية، يخسر فيها الخاسر كل شي، والرابح يربح كل شي.
وممن اختفى اليوم عن المشهد السياسي (سليم الجبوري) ومعه جميع النواب، وما يهمنا هنا من يدعون انهم يمثلون أهل السنة العرب، والذين أصبحوا مأسورين بيد المليشيات خاصة وانهم لا يمتلكون أي قطعة سلاح ممكن ان يدافعوا بها عن أنفسهم، بعد ان تنتهي نشوة هتاف (أخوان سنة وشيعة)، وهذا المشهد يذكرنا بما حدث في شباط 2006 عندما تم تفجير القبتين، عندما خرجت علينا فتاوى من المراجع الشيعية (ان أبناء السنة ليس إخواننا بل أنفسنا ويجب حمايتهم)، وكانت النتيجة عكس ذلك فتم قتل مئات الألف من أهل السنة العرب، مع تغيير واضح في المشهد حيث كان يومها دور للفصائل المسلحة التي أوقفت تقدم المليشيات المدعومة من قبل أمريكا التي كانت تسمح بتوجه المليشيات وبنحو مكشوف نحو المناطق السنية في بغداد وديالى وغيرها من المناطق، ولذلك لن يكون الحل إلا بدعم إسلامي للقوى السنية الفاعلة والتي تمتلك كل مقومات القوة المادية والمؤثرة في الساحة السياسية، لا بإعلان الحرب عليها ودعم القوى الداعمة للقوى الشيعية كما حصل سابقا بدعم ما سميت بالصحوات، وهذه النتيجة، تم منح الشرعية للقوى الشيعية والتي قوت نفسها من خلال الدعم العربي، وان كان عن طريق التحالف الأمريكي، وهذه خطيئة ارتكبتها الدول العربية بحق نفسها وبحق العراق.