هل يمكن تجاهل الأكراد؟

عثمان ميرغني

بقلم: عثمان ميرغني
قبل أيام صرح مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق المنتهية ولايته، بأن الوقت حان لكي يقرر شعب كردستان مصيره عن طريق الاستفتاء، معتبرا أن الفرصة الآن “مناسبة جدا” لاتخاذ هذا القرار.

لم يكن التصريح قنبلة سياسية؛ لأن بارزاني سبق له إثارة موضوع الاستفتاء من دون أن يحدد موعدا له، وهو ما لم يفعله هذه المرة أيضا، وإن قال إن الفرصة “مناسبة جدا”. لكن التصريح كان مثيرا للجدل؛ لأنه يطرق قضية حساسة، تحفها الكثير من المشكلات والعقبات، ويخوض في واحد من الملفات الصعبة في المنطقة التي يحب كثير من الناس دفن رؤوسهم في الرمال بدلا من الخوض فيها ومناقشتها بشفافية وعقلانية.

موضوع الأكراد اكتسب زخما أكبر منذ غزو العراق عام 2003، ثم الآن مع أحداث سوريا، وحرب الإرهاب و”داعش”، والتغييرات التي تحدث على الأرض وفي النسيج الاجتماعي بالبلدين. فاليوم لم يعد ممكنا الحديث عن مستقبل العراق أو سوريا من دون التطرق أيضا للموضوع الكردي، خصوصا مع الكلام المستمر عن مخاوف التقسيم والتفكك.

وعلى الرغم من الفارق الكبير بين وضع الأكراد في العراق وفي سوريا، فإن الطريقة التي سيعالج بها الملف في كل من البلدين ستكون لها تداعياتها على الأوضاع فيهما، مثلما ستكون لها انعكاساتها في أي نقاش مستقبلي حول مسألة الأقليات والحقوق والهوية الوطنية، التي تظل أحد الملفات الشائكة في كثير من أرجاء العالم العربي.

بارزاني في حديثه عن “الفرصة المناسبة” الآن، كان ينطلق من حقائق ليست خافية على أحد، على رأسها واقع التفكك الراهن في العراق، وضعف السلطة المركزية، وانفجار ملف الطائفية والإثنية. في مقابل ذلك وسع الأكراد مناطقهم، وزادوا نفوذهم، وعززوا قدراتهم العسكرية والاقتصادية إلى درجة رفعوا معها حكمهم الذاتي إلى مرتبة تصل إلى الاستقلال في كل شيء إلا الاسم. لكن “الفرصة المناسبة” التي يراها كثير من الأكراد ويشعرون معها بتنامي طموحاتهم القومية، محفوفة أيضا بالمخاطر.

لهذا السبب ربما بدا بارزاني حذرا وهو يقول إن الاستفتاء لا يعني أن يعلن شعب كردستان دولته فور ظهور النتائج “بل يعني أن يعرف الجميع ما الذي يريده شعب كردستان لمستقبله، وكيف سيختار مصيره”. هذه النبرة كانت واضحة أيضا في تعقيب الرئيس العراقي والقيادي البارز في الاتحاد الوطني الكردستاني، فؤاد معصوم، إذ اعتبر أن إعلان دولة مستقلة في كردستان مجرد طموح “فلا يوجد مشروع متفق عليه بين الكرد في إعلان الاستقلال لأن به مشكلات كبيرة”.

المحاذير الكردية لا تنبع في الواقع من مخاوف من رد الفعل العربي، لأن حالة الضعف والتشرذم في العالم العربي ليست خافية، بل من رد الفعل التركي والإيراني الذي قد يصل إلى حد التحالف لمنع قيام دولة كردية مستقلة ستشجع حتما الطموحات القومية للأكراد في البلدين. فقسم من الأكراد قد يرى أن “الفرصة المناسبة” التي تحدث عنها بارزاني ربما تشكل مخاطرة كبرى؛ لأن اتخاذ خطوة باتجاه إعلان دولة مستقلة الآن، في ظل حالة الصراع والفوضى والصراعات الإقليمية، قد يضعهم في مواجهة تكتل أطراف عديدة، وقد يؤدي إلى فقدان كثير من المكتسبات التي حققوها.

فالأكراد ربما استفادوا من الحرب على “داعش” و”القاعدة” لتعزيز تسلحهم وتوسيع نفوذهم ومناطقهم، لكنهم في المقابل اكتسبوا عداء الحركات الإسلامية المتطرفة، ورفعوا مخاوف المجموعات العربية في المناطق التي تحركوا فيها. أضف إلى ذلك أن أي خطوة يقوم بها أكراد العراق ستكون لها انعكاساتها على أوضاع أكراد المنطقة الآخرين.

في سوريا يسيطر الأكراد اليوم على نحو 15 في المائة من الأراضي، وباتوا يشكلون قوة حقيقية على الأرض مستفيدين من فرص الدعم والتسلح التي وفرتها لهم الحرب ضد “داعش”. واستنادا إلى تقديرات غربية فإن لدى أكراد سوريا نحو 35 ألف عنصر مسلح يتولون حماية المناطق الكردية، وقد توسعت رقعة المساحة التي يسيطرون عليها خلال مواجهاتهم مع “داعش”. وفي عام 2013 أعلنوا إقامة إدارة ذاتية مؤقتة قسموها إلى ثلاث محافظات لأنهم خلافا لأكراد العراق لا يتكتلون في منطقة واحدة، بل موزعون على عدة مناطق ومحافظات ومدن.

وفي تطور آخر يعكس تزايد نفوذهم وطموحاتهم، أعلنوا أخيرا عن تحرك لافتتاح ممثليات لهم في موسكو وعدد من العواصم الغربية الأخرى، في خطوة تؤشر نحو عزمهم على الخروج بملف قضيتهم إلى الساحة الدولية، خصوصا أنهم فشلوا حتى الآن في تحقيق مطلبهم بالحصول على مقعد مستقل في عملية جنيف لحل الأزمة السورية.

الموضوع الكردي سواء في العراق أو سوريا لم يعد ممكنا القفز فوقه، أو تجنب مناقشته، سواء من منطلق الواقع الذي أصبح ماثلا على الأرض، أو لأن أي حل للأزمة في البلدين لا بد أن يمر بملف حقوق ومخاوف مختلف الأطراف وتطلعاتهم.

(عن صحيفة الشرق الأوسط)